في كل أزمة كبرى، لا تُقاس الدول بحجم خطابها، ولا بحدة مواقفها، بل بقدرتها على إدارة المشهد واتخاذ القرار في الوقت المناسب. فالتاريخ لا يرحم من يراهن على الزمن دون امتلاك استراتيجية واضحة لإدارة الأزمات، ولا يُكافئ من ينتظر الفرصة بدل أن يصنعها.
لم يكن ظهر السبتِ، الثامنِ والعشرين من فبراير 2026 يوماً عابراً في ذاكرة مملكة البحرين، إذ شق سكونها دوي صفارات الإنذار إعلاناً بدخول البلاد مرحلة التصدي لعدوان إيراني آثم استهدف ولايزال أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها. وفي تلك الدقائق المليئة بالتحدي والتصدي نهضت البحرين بقيادتها وحكومتها وبكل مؤسساتها، في مواجهة العدوان، في مشهد ملحمي وطني جامع بالتنسيق والانسجام وإدارة ناجحة ودقيقة للدولة وحزم القيادة والقوات في الميدان، وصمود ودعم شعبي كامل.
صحيح أن رحى الحرب لاتزال دائرة، ولم تضع الحرب أوزارها بعد، غير أن الكثير من الدروس المستفادة منها تشكّل أرضية لإدارة الأزمات في المستقبل، وفي شتى المجالات.
أما أبرز الدروس المستفادة من الاعتداءات الإيرانية الآثمة على مملكة البحرين، هو ذلك الالتفاف الشعبي حول القيادة الرشيدة بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظه الله ورعاه-، والذي يعكس عمق الوحدة الوطنية، ويجسّد روح المسؤولية المشتركة في حماية مكتسبات الوطن وصون أمنه واستقراره. فالتلاحم الوطني الذي نعيشه اليوم ليس أمراً طارئاً، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الوفاء والانتماء، تربّى عليه أبناء هذه الأرض الطيبة. ففي كلمات جلالة الملك المعظم للمواطنين، دائماً ما يؤكد جلالته حفظه الله ورعاه أن وحدتنا الوطنية السور الحقيقي الذي لم ولن تخترقه أي اعتداءات آثمة، نحن جسد واحد في وجه أي معتدٍ.
من الدروس المستفادة، أيضاً، جاهزية الحكومة حيث دخل مجلس الوزراء في حالة انعقاد دائم لمواكبة وتسارع التطورات المحلية والإقليمية وضمان المتابعة اللحظية لكافة المستجدات الأمنية واللوجستية والمتمثلة بخطط الطوارئ لمختلف الوزارات. وميدانياً كثّف صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء- حفظه الله- من زياراته الميدانية لمواقع الدولة الحيوية والاستراتيجية ومختلف الوزارات، للاطلاع عن كثب على مجريات العمل ومستوى الجاهزة. وبالرغم من أننا نعيش في محنة عصيبة، إلا أن نظامنا اليومي لم يتغيّر كثيراً، ولم نشعر بالنقص أو الحاجة، وهذا يدلّ على قوة جاهزية الحكومة في استمرار الحياة.
خلال هذه الحرب كان الدرس الأهم المستفاد هو الكفاءة العالية لمنظومة الدفاع الجوي البحرينية والاحترافية المتقدمة، ومنذ بدء الاعتداءات الإيرانية الآثمة تمكنت مملكة البحرين من اعتراض وتدمير 194 صاروخًا، و523 طائرة مسيرة، استهدفت المملكة، حيث كانت تستهدف الأعيان المدنية والمؤسسات العامة والممتلكات الخاصة في المملكة.
الدرس المستفاد الآخر هو الدبلوماسية المتزنة، وتجنّب الانجرار إلى الصراعات المباشرة، فقد نجحت البحرين في صياغة معادلة استثنائية زاوجت بين القوة الناعمة المتمثلة في عراقة الدبلوماسية البحرينية، والقوة الصلبة المتمثلة في ردع عسكري تقني متطور، حيث أثبتت البحرين قدرتها على التعامل مع الأزمات الكبرى وحماية كيانها الوطني وسط أعنف العواصف الإقليمية. ويعكس هذا الجهد الدبلوماسي نجاح البحرين في صدور قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي يدين الهجمات العدائية التي تتعرّض لها دول الخليج والأردن، ويطالب بوقفها فوراً باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي.
من الدروس المستفادة، كذلك، استراتيجية الأمن الغذائي البديل؛ إن أحد أخطر جوانب العدوان الإيراني كان محاولة فرض حصار بحري وتهديد الأمن الغذائي. وقد كان ردّ البحرين تفعيل استراتيجية المخزون الاستراتيجي البديل، حيث قامت بإجراءات فورية لتأمين سلاسل توريد بديلة عبر جسر الملك فهد، ومن ثم النقل البري؛ ما ضمن توافر السلع الأساسية بنسبة 100% خلال فترة الأزمة.
خاتمة الرؤى؛ لقد أثبتت مملكة البحرين، بكفاءة نادرة، أن الأمن الوطني منظومة شاملة تتداخل فيها القوة الصلبة مع القوة الناعمة، ويتكامل فيها الجهد الرسمي مع الوعي الشعبي. لقد برهنت التجربة البحرينية على أن الردع الحقيقي يتجسد إلى جانب ترسانة الصواريخ والطائرات، في القدرة الفائقة على إدارة الوعي الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية، وتفعيل منظومة دفاعاتنا الجوية، وتوظيف العلاقات الدولية بحكمة، وتفعيل المخزون الاستراتيجي لضمان استمرار الحياة الطبيعية في وجه التهديدات.
إن نجاح البحرين في تحويل التحديات الوجودية إلى فرص، والاعتداءات العسكرية إلى معارك قانونية ودبلوماسية في المحافل الدولية، وقدرتها على الحفاظ على وحدة نسيجها المجتمعي، يعكس نموذجاً فريداً في إدارة الأزمات المعقدة.
حياة تستمر.. ورؤى لا تغيب.