تمثل الاتفاقية، التي وقعتها دول الخليج العربي والمملكة المتحدة، تتويجًا لمسار تفاوضي بدأ منذ العام 2022، لتأتي في مرحلة تسعى فيها بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز حضورها الاقتصادي عالميًا عبر بناء شراكات جديدة مع الاقتصادات الأسرع نموًا، ولا يوجد اليوم في العالم أكثر من دول الخليج العربي يمكن أن تلبي هذا الطموح.
ولكي نقرأ الاتفاقية بموضوعية، يجب أن ننظر إلى الأرقام والمؤشرات الكلية لها، والوقوف أولاً عند الحجم الكلي للاتفاقية الذي ترسمه الأرقام الصادرة عن الجانبين، فقد قدرت الحكومة البريطانية أن الاتفاقية قد تضيف نحو 3.7 مليار جنيه إسترليني إلى الاقتصاد البريطاني سنويًا على المدى الطويل، وستزيل رسومًا جمركية تقدر بنحو 580 مليون جنيه إسترليني سنويًا على الصادرات البريطانية إلى دول مجلس التعاون عند التنفيذ الكامل، مع إلغاء 360 مليون جنيه إسترليني منها في اليوم الأول.
ويقدر أن ترفع الاتفاقية التجارة الثنائية بين الجانبين بنحو 20%، ما يعادل نحو 15.5 مليار جنيه إسترليني سنويًا، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة نحو 1.9 تريليون جنيه إسترليني، مع سوق استيراد قيمته 1.04 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا السوق تقريبًا بحلول عام 2050.
وعلى الجانب الآخر فإن الاتفاقية ستدعم الصادرات الخليجية غير النفطية، والتي تشمل البتروكيماويات والألمنيوم والأسمدة والصناعات التحويلية، بإلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 99% من الصادرات الخليجية إلى بريطانيا، كما تتضمن الاتفاقية التزامًا واضحًا بتخليص البضائع في غضون 48 ساعة، وست ساعات للبضائع سريعة التلف، مما يعزز كفاءة التجارة بين الجانبين، وهو ما يتماشى تمامًا مع رؤى دول المجلس لتنويع اقتصاداتها ومصادر الدخل غير النفطية.
كما أن دول الخليج العربي تعد أحد المصادر الرئيسية للاستثمار في بريطانيا، حيث بلغ حجم الاستثمارات الخليجية المباشرة نحو 83 مليار دولار على مدى السنوات العشر الماضية، وستحقق الاتفاقية حماية أوسع لهذه الاستثمارات وتضاعفها بعد إلغاء الجمارك والرسوم.
ولقد نوه الجانب البريطاني إلى أن تلك الاتفاقية تعتبر الأولى مع دولة بين مجموعة السبع الكبرى ومجلس التعاون الخليجي، وهذا يعكس ثقل الاقتصاد الخليجي وأهميته الاستراتيجية، والآفاق المستقبلية لصدى هذه الاتفاقية على بقية دول G7، والتي ستسارع بتقديم مميزات أكثر لدول مجلس التعاون لتوقيع اتفاقات شبيهة، وفتح آفاق أوسع للتجارة الحرة.
وعند النظر إلى موقع البحرين من تلك الاتفاقية، نجد أنها لا تختصر في زاوية التبادل التجاري المباشر، وإنما قدرتها على توظيف موقعها المالي واللوجستي والتنظيمي لتحويل هذه الشراكة إلى مكاسب نوعية في قطاعات الخدمات والاستثمار والتكنولوجيا المالية والتجارة الرقمية وتحسين وصول شركات قطاع الخدمات إلى السوق العالمي وخاصة الأوروبي من نافذة بريطانيا، والعكس كذلك في تعزيز قدرات البحرين في قطاع الخدمات المالية لمنطقة الشرق الأوسط وشرق آسيا.
ومع إلغاء التعريفات الجمركية وتبسيط الإجراءات، يُتوقع أن يرتفع حجم الصادرات البحرينية إلى السوق البريطاني الذي يتجاوز عدد سكانه 54 مليون نسمة، مما يفتح آفاقًا جديدة للصناعات البحرينية التحويلية وفي مقدمتها الألومنيوم الذي يرتفع الطلب عليه عالميا، وتستطيع البحرين أن تفتح أسواقا جديدة من خلال تلك الاتفاقية.
ومن أهم ما يميز البحرين في المنطقة هو البنية التحتية للخدمات التكنولوجية المالية، والتي تمثل عصب الاقتصاد العالمي اليوم، حيث تشمل الاتفاقية آليات لحماية تدفق البيانات الحساسة والمعلومات المشفرة، مما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية في المملكة، ويمكن الاستفادة أيضا من الأطر الموحدة لحركة رجال الأعمال، إذ تمنح الاتفاقية أطول فترة إقامة لرجال الأعمال على الإطلاق في أي اتفاقية تجارة حرة، مما يسهل تنقل الخبرات والكفاءات بين البحرين وبريطانيا.
اليوم نرى البحرين تتوسع دوليا في الاتفاقيات النوعية، فقبل أشهر تم توقيع اتفاقية مع إير آسيا لتكون المملكة مركزا لها بدء من هذا الشهر، وتسجيل شركة «دي إتش إل إير بحرين»، لتتخذ من مملكة البحرين مركزًا ومقرًا رئيسًا لعملياتها التشغيلية والتجارية، والعديد من الاتفاقيات الأخرى التي لا يسعها هذا المقال، ولذلك يبقى علينا كمواطنين ورواد أعمال وشركات وطنية البحث في كيفية الاستفادة القصوى من تلك الاتفاقية وغيرها.