تصريح توم باراك السفير الأمريكي في تركيا خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي - الذي جمع خمسة آلاف شخصية قيادية من مئة وخمسين دولة - بأن العائلات الملكية في الخليج العربي تعد ناجحة لم يكن عابراً، لا في مضمونه ولا في توقيته.
وقد جاء استخدامه لمصطلح «Beneficial Monarchies»، الذي يمكن ترجمته إلى الملكيات النافعة أو ذات الأثر الإيجابي ليركّز على مخرجات النظام الحاكم لا على شكله كما جرت العادة في الأوساط الغربية.
فالرجل وإن كان يتقلد حالياً منصباً دبلوماسياً، إلا أنه في الأصل رجل أعمال مخضرم وصاحب شبكة علاقات واسعة تمتد من واشنطن إلى عواصم الشرق الأوسط. خبرته الطويلة في الاستثمار والعقار، إلى جانب قربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منحاه زاوية نظر مختلفة تعد أكثر براغماتية وأقل انشغالاً بالشعارات.
ما يميز باراك أيضاً هو صراحته المعهودة. فهو لا يتردد في طرح تقييمات مباشرة، حتى وإن خالفت السائد في الخطاب السياسي الغربي. وفي هذا السياق، يبدو وصفه للعائلات الملكية في الخليج العربي بالناجحة، بل والقوية جاء عن قراءة واقعية، تستند إلى ما تحقق على الأرض من إنجازات لا تخفى على أحد، لا إلى ما يُفترض نظرياً.
وعند وضع هذا التصريح في سياقه الإقليمي، تتضح أبعاده أكثر. فالشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين كان ساحة لاختبارات قاسية، ومنها انهيارات لزعامات سياسية، وأزمات اقتصادية خانقة تشهدها أغلب الدول، وصراعات متعددة. ومع ذلك، استطاعت العائلات الملكية الخليجية أن تحافظ على الاستقرار في دولها، ليس فقط من خلال احتواء الأزمات، بل عبر إدارة التحول الاقتصادي والسياسي بشكل تدريجي ومتوازن.
في دول الخليج العربي برز نموذج يقوم على الجمع بين الاستمرارية والتحديث. فبرامج التنويع الاقتصادي التي تعتمد على تطوير المنتج السياحي والترفيهي والتركيز على الخدمات، والاستثمار في قطاعات كالرياضة وأشباه الموصلات وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الاجتماعي المدروس، كلها مؤشرات على أن هذه الأنظمة لم تكتفِ بالحفاظ على الوضع القائم، بل سعت إلى إعادة تشكيله بما يتناسب مع متطلبات المرحلة. لكنها في نفس الوقت تجتهد في الحفاظ على هويتها وثقافتها وانتمائها إلى العمقين العربي والإسلامي.
كما أن هذا النموذج يستند إلى مزيج من الشرعية التاريخية والحكمة، الأمر الذي يمنحه قدرة على اتخاذ القرار بمرونة وسرعة، والتكيّف مع المتغيرات الإقليمية والدولية متجاوزاً أي إطار أيديولوجي جامد.
في المحصلة، فإن أهمية تصريح توم باراك لا تكمن فقط في مضمونه، بل في مصدره أيضاً. فهو يعكس رؤية سياسي غربي بعيداً عن القالب الذي وضعه الغرب لتقييم دول العالم والذي يلجأ إلى تصنيف ضيق يعتمد على الديمقراطية كمؤشر وحيد نسبياً للتقدم والتطور، وهو مؤشر ناقص حتماً ولا يكفي لتوضيح الصورة الحقيقية للدول.