في كل المجتمعات والدول، تعتبر جريمة «التخابر مع العدو» واحدة من أخطر الجرائم التي يرتكبها الإنسان ضد وطنه. هي فعل يتجاوز القانون إلى الخيانة الأخلاقية والوطنية، لأنه يضع أمن الوطن وأرواح أبنائه في خدمة عدو يتربص به.
ما حدث في البحرين خصوصاً، وأشقائنا دول الخليج العربي عموماً، يعيد طرح السؤال المؤلم، إذ كيف يمكن لإنسان أن يبيع وطنه، ويعمل لصالح من يستهدفه؟!
السلطات الأمنية أعلنت خلال تعرضنا لقصف آثم بالصواريخ والمسيرات، عن القبض على عدد من الأشخاص بتهمة التخابر مع الحرس الثوري الإيراني. ووفق التحقيقات الرسمية، قام المتهمون بجمع معلومات وصور عن مواقع حيوية داخل المملكة وإرسالها إلى جهات مرتبطة بالحرس الثوري باستخدام وسائل اتصال مشفرة. كما أشارت التحقيقات إلى أن بعض هؤلاء عملوا وفق تعليمات مباشرة من جهات مرتبطة بإيران، حيث قاموا بتصوير وتحديد إحداثيات منشآت حساسة ومرافق استراتيجية داخل البحرين.
هذه القضية مساس صريح بأمن الوطن وسيادته. وهنا التخابر مع جهة معادية في ظل التوترات الإقليمية يعني عملياً المساهمة في استهداف الوطن ومصالحه، بل وسعي يمكن أن يؤدي لقتل أرواح مواطنيه، وللأسف هذا ما حصل، وتحديداً في استشهاد البنت البحرينية البريئة.
المثير للاهتمام أن كثيراً من الدول التي ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان تتعامل مع جريمة التخابر مع العدو بصرامة شديدة.
في الولايات المتحدة مثلاً، تُعد الخيانة أو التجسس لصالح دولة معادية من أخطر الجرائم التي يمكن أن يواجه صاحبها السجن المؤبد أو حتى عقوبة الإعدام في بعض الحالات. وفي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تصل العقوبات في جرائم الخيانة والتجسس إلى السجن المؤبد، خاصة إذا كان الفعل مرتبطاً بحالة حرب أو تهديد مباشر للأمن القومي.
بعبارة أخرى، فإن الدول الديمقراطية التي تتحدث كثيراً عن الحقوق والحريات لا تتردد في فرض أقصى العقوبات عندما يتعلق الأمر بأمن الدولة. فالأمن القومي في هذه الدول ليس مجالاً للمجاملة أو التساهل.
المفارقة اللافتة أن النظام الإيراني نفسه، الذي تسعى بعض شبكاته إلى تجنيد عناصر في دول أخرى، يتعامل مع المتهمين بالتخابر داخل إيران بقسوة شديدة جدًا. فالقوانين الإيرانية تسمح بفرض عقوبة الإعدام على جرائم التجسس والخيانة، وقد نفذت السلطات الإيرانية بالفعل أحكام إعدام في عدة قضايا مشابهة.
في عام 2025 مثلاً أُعدم شخص اتهم بالتجسس لصالح إسرائيل، كما صدرت أحكام بالإعدام في قضايا مشابهة تتعلق بالتعاون مع جهات أجنبية. كما أعلنت السلطات الإيرانية أنها اعتقلت آلاف الأشخاص بتهم مرتبطة بالتجسس خلال فترات الصراع، وأصدرت قوانين جديدة تشدد العقوبات على التعاون مع الدول التي تعتبرها “معادية”. وهنا تكمن المفارقة الواضحة، الدولة التي لا تتسامح مطلقاً مع التجسس داخل حدودها، هي نفسها التي تتهمها دول عديدة بمحاولة بناء شبكات تجسس خارج حدودها.التخابر مع عدو خارجي، ليس رأياً سياسياً ولا موقفاً فكرياً، هو عمل مباشر ضد أمن الدولة. ومن يقدم معلومات عن مواقع حيوية أو منشآت استراتيجية لدولة معادية، إنما يضع بلاده تحت تهديد الاستهداف العسكري أو التخريبي. وهذا الفعل لا يمكن قبوله أو تبريره بأي ذريعة.
السؤال المهم هنا: ما الذي يدفع إنساناً ليعمل ضد وطنه؟!الجواب خليط من عوامل متعددة؛ منها الطمع، أو الأيديولوجيا، أو الشعور بالعداء للدولة، أو حتى الوقوع في فخ الابتزاز والتجنيد الاستخباراتي. لكن مهما كانت الأسباب، فإن النتيجة واحدة، هي الخيانة. ومن يتخابر مع عدو يستهدف بلده لا يمكن أن يدّعي الوطنية، لأن الوطنية ليست شعاراً، بل موقفاً يُختبر في اللحظات الصعبة.
التخابر مع العدو خيانة صريحة للوطن. والدول في كل أنحاء العالم تتعامل مع هذه الجريمة بأقصى درجات الحزم، لأن أمن الدولة فوق كل اعتبار. وما شهدناه في البحرين يذكّرنا بحقيقة مؤلمة، إذ قد يواجه الوطن أعداء من الخارج، لكن الخطر الأكبر دائماً يأتي من الخيانة بالداخل.
هنا ضعوا ألف خط أحمر، من يعمل لصالح عدو يستهدف بلده لا يمكن أن يدّعي الوطنية، لأنها لا تقبل القسمة، ومن الاستحالة أن تجتمع الوطنية مع الخيانة في قلب واحد.