خولة الهاجري

يسكن الإنسان صراعٌ أزلي بين «رهبة الفوات» و«لذة الوصول». نحن جيلٌ يرتجف من عقارب الساعة، نخشى أن يسبقنا القطار، وأن تذبل زهور العمر قبل أن نقطف ثمار النجاح. لكن الحقيقة النفسية التي تغفل عنها الأعين هي أن القلق لا ينبع من ضيق الوقت، بل من تيه الاتجاه.

عندما نقدس «الوقت» كمعيار وحيد للإنجاز، فإننا نضع أرواحنا في آلة حادة من التوتر المستمر. «الساعة» في علم النفس الوجداني تمثل الضغط الخارجي، وتوقعات المجتمع، والمقارنات القاتلة. إنها تخلق إنساناً «يركض لئلا يتوقف»، دون أن يسأل نفسه: «هل أنا سعيد بما أفعل؟».

نحن نعيش في عصر يصفق للمسرعين وإن ضلوا الطريق، بينما الحقيقة التي تهتف بها الحكمة القديمة: «إن الاتجاه أهم من الوقت» أو بعبارة أخرى: «البوصلة اختُرعت قبل الساعة».

ما نفع أن تقطع الأميال بلمح البصر، وتصل بزهو المنتصرين، ثم تكتشف أنك وقفت على القمة الخطأ؟ إن السرعة في الاتجاه الخاطئ ليست إنجازاً، بل هي تورطٌ أعمق في التيه.

الحياة ليست سباق مائة متر، بل هي رحلة استكشاف، المشي الهادئ في دربٍ يشبه روحك، يوصلك إلى ذاتك بسلام، بينما الركض المحموم في دروبٍ لا تنتمي إليك، لا يورثك إلا الغربة وضيق النفس.

المسافر الذي يعرف وجهته لا يضيره إن استراح تحت ظل شجرة، أو تأخر قليلاً ليتأمل زهرة على جانبي الطريق؛ لأنه يعلم أن كل نبضة قلب تقربه من هدفه الحقيقي. أما الذي استعبدته الساعة، فهو يخشى الالتفات خلفه، ويخاف السكون، لأنه يظن أن «الزمن» عدو يطارده، بينما الحقيقة أن «الضياع» هو العدو الأكبر.

لذا، لا تسأل نفسك اليوم: «كم أنجزت؟»، بل اسألها: «إلى أين مضيت؟». لا تقارن سرعتك بسرعات الآخرين، فلكل شمس شروقها، ولكل نهر مجراه. تذكّر دائماً أن الوصول متأخر إلى حيث تنتمي، خيرٌ ألف مرة من الوصول مبكراً إلى حيث لا تكون.

- رسالة أخيرة:البوصلة هي قيمك، وشغفك، وصدقك مع نفسك. ففي نهاية المطاف، لن يسألنا الوجود عن عدد الساعات التي قضيناها في الركض، بل سيسألنا عن الأثر الذي تركناه في الطريق الصحيح.