في عالم يشهد تسارعاً غير مسبوق في المجال التكنولوجي، والذي ترك أثره على مختلف القطاعات والأعمال، بما في ذلك العمل البرلماني، والذي عاصرته شخصياً على مدى سنوات طويلة، سواء كصحافية أو موظفة في مجلس النواب، حيث لم يعد العمل التقليدي الذي تحكمه الأوراق والاجتماعات المطولة، بل دخل مرحلة جديدة يتم فيها صياغة طريقة التفكير قبل الأدوات، لذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة مساندة، بل جزءاً من بنية القرار، حيث يُسهم في تحليل البيانات ودعم التشريع واستشراف التحديات.
هذه هي الفكرة الرئيسية التي ركّز عليها الأمين العام لمجلس النواب، المهندس محمد إبراهيم السيسي البوعينين، أمام اجتماع جمعية الأمناء العامين للبرلمانات الوطنية، الذي عُقد ضمن أعمال الجمعية العامة الـ152 للاتحاد البرلماني الدولي في مدينة إسطنبول، والذي ناقش موضوع استخدام الذكاء الاصطناعي في البرلمانات.
ودون شك؛ فإن التقدّم لا يأتي بدون أثمان، فكل توسّع في استخدام الأنظمة الذكية يفتح الباب أمام مخاطر جديدة، وهو ما كشفت عنه محاولات استهداف البنية التحتية التكنولوجية في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون، في سياق الهجمات الإيرانية الغاشمة، هو ما يمثّل إنذاراً صريحاً بأن الفضاء الرقمي يمكن أن يتحوّل إلى ساحة صراع تمسّ الأمن والسيادة وحياة الناس.
وهنا يُطرح السؤال الأهم؛ كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن نعرّض أنفسنا للخطر؟ ولاشك أن التحوّل في التفكير هو ما يميز التجربة البحرينية، التي تعاملت مع التقنية بوعي، فربطت بين التبنّي والتأمين وبين التطوير والحوكمة.
وبالعودة لتجربة مجلس النواب، فلم تكن مجرد إدخال أدوات رقمية، بل بناء منظومة متكاملة لإدارة الذكاء الاصطناعي، تقوم على سياسات واضحة، ومعايير دولية، وآليات رقابة تضمن الشفافية والمساءلة، هو ما انعكس في تطوير العمل التشريعي والرقابي، من إدارة الوثائق إلى البحث والتحليل، وصولاً إلى تعزيز التواصل مع المواطنين عبر حلول ذكية.
ودون شك فإن جوهر هذه التجربة لا يكمن في التكنولوجيا فقط، بل في الإنسان عبر الاستثمار في الكوادر الوطنية وتأهيلها لفهم الأنظمة الذكية وإدارتها بوعي، مما شكّل العامل الحاسم في نجاح هذه المنظومة، وهو أيضاً ما يفسر قدرة البحرين على التعامل مع محاولات الاستهداف الأخيرة بكفاءة ومرونة، مستندة إلى بنية رقمية متقدمة مدعومة بأمن سيبراني قوي وعقول مؤهلة، حيث تجسّد مفهوم «السيادة الرقمية» باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن الوطني.
وأخيراً، لا يمكن فصل الذكاء الاصطناعي عن العمل البرلماني، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدارته بحكمة، فما بين الكفاءة والمخاطر والانفتاح والحماية، تتحدد ملامح برلمانات المستقبل، حيث تقدّم التجربة البحرينية نموذجاً واقعياً لهذا التوازن عبر تقنية متقدمة محكومة بإطار واضح، ومسنودة بخبرات تعرف كيف تستخدمها.. وكيف تحميها.