جاءت التوجيهاتُ الملكيّة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، لتضع النقاط على الحروف في واحدةٍ من أكثر القضايا حساسيةً وارتباطاً بجوهر الدولة وهيبتها، وهي قضيّة المواطنة، وما يتّصلُ بها من ولاءٍ صادق، وانتماءٍ خالص، وموقفٍ واضح لا يقبل الرمادية حين يكون أمن الوطن واستقراره وسيادته في الميزان.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تلقى هذه التوجيهات ارتياحاً واسعاً في نفوس المواطنين، وأن تجد صداها كذلك في الأوساط الشعبية والإعلامية في محيطنا الخليجي والعربي، التي تابعت هذه الرسائل بوصفها تعبيراً عن موقف سياديٍّ متزن، يجمع بين الحزم المشروع والرؤية الوطنية المسؤولة. فحين تتعرّض المنطقة لاعتداءاتٍ آثمة وتهديدات تمسُّ أمنها واستقرارها، يصبح من الطبيعي أن تعيد الدول التأكيد على أنّ الجنسيّة ليست حقاً منفصلاً عن الواجب، وإنما هي شرفٌ لا يليق إلا بمن يثبت قولاً وفعلاً أن وطنه فوق كل اعتبار، وأن ولاءه له ثابتٌ لا يتغير بتغيّر الظروف، ولا يتلوّن بتبدّل المصالح.
لقد أثبتت التجارب، لا في البحرين وحدها بل في محيطها الخليجي أيضاً، أن الأوطان لا يخذلها الأعداء بقدر ما يخذلها أولئك المترددون الذين يُميّعون معنى الانتماء، أو يتساهلون في حدوده، أو يتوهّمون أن بالإمكان الجمع بين الوطن وخصومه في قلبٍ واحد. وهذه معادلةٌ لا تستقيم مع منطق السيادة، ولا مع مقتضيات الدولة، ولا مع أبسط القيم الأخلاقية للمواطنة. فمن يعيش في كنف الوطن، ويتمتّع بأمنه، وينال من خيراته ورعايته، ثم يتخاذل في نصرته عند الشدة، أو يتواطأ مع ما يمسّ سلامته، أو يُسيء إلى رموزه ومؤسسّاته، فإنه يعتدي على المعنى نفسه الذي يمنح المواطنة مشروعيتها وكرامتها.
ولعلَّ ما يُضفي على هذه التوجيهات عُمقاً أكبر، أنّها حملت البُعد الأصيل لطبيعة الدولة الناضجة؛ دولةٍ تعرف كيف تصون أمنها، وكيف تتمسّك في الوقت ذاته بالحكمة، وتغليب العقل، والمسارات الدبلوماسية في معالجة الأزمات بما يحقق خير شعوب المنطقة واستقرارها. وهذه ليست مفارقة، بل هي جوهر الدولة الرشيدة: أن تكون حازمةً حين تستدعي الضرورة ذلك، وحكيمةً حين تكون الحكمة أقدر على صون المصالح ودرء الأخطار، ومتمسكةً بالسّلمِ والتعايش دون أن تتهاون في مقتضياتِ الحمايةِ والسيادة. فالدولُ الناضجة لا ترى في الحزمِ نقيضاً للحكمة، بل تعتبرهُ أحد شروطها حين يتعلّقُ الأمر بأمنها الوطني.
وفي قلبِ هذا المشهد الوطنيّ، برزت حقيقةٌ لا يجوز إغفالُها، وهي أنّ البحرين تجاوزت هذه المرحلة الدقيقة بفضلِ الله تعالى، ثم بفضلِ جاهزيّة مؤسّساتها، وكفاءة قوّاتها الدفاعيّة والأمنيّة، ويقظة أجهزة الدفاع المدني، فضلاً عن التماسك الشعبيّ الذي أثبت أنّ المجتمع البحرينيّ، في لحظات التحدّي، يعود إلى معدنه الأصيل، متراصاً، متسانداً، مدركاً أنّ قوّة الوطن من قوّة وحدته الداخليّة. كما تجلّى بوضوح الدورُ الفاعل للإدارة الحكوميّة المنضبطة بقيادة صاحب السموّ الملكيّ الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، وليّ العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في إدارة متطلّبات المرحلة، والتعامل المهنيّ مع الظروف الطارئة بكفاءةٍ ومسؤوليّة.
إنّ البحرين، وهي تجدّد اليوم تأكيدها أنّ المواطنة شرفٌ لا يليق إلّا بمن يصونه، تُرسّخ مبدأً سياديّاً عادلاً: أنّ الانتماء الحقيقي يُقاس بالفعل لا بالادّعاء، وبالولاء الصادق لا بالمصالح الضيّقة، وبالاستعداد للدفاع عن الوطن لا الاحتماء باسمه. فالمواطنة، في حقيقتها، هي عهدٌ أخلاقيّ ووطنيّ، والتزامٌ يومي، يظهر في احترامِ القانون، وصيانة مؤسّساتِ الدولة، والوفاء بمقتضيات الواجب الوطنيّ، وتقديم المصلحة العامّة، والتصدّي لكلّ ما يمسُّ أمن الوطن أو ينال من هيبةِ الدولة. هذا هو الفهم الرشيد للمواطنة: أن نستشعر جميعاً مسؤوليتنا تجاه وطننا، وأن ننتمي إليه بصدقٍ ونجعله فوق كلّ ولاءٍ وكلّ اعتبار.
حفظ الله البحرين وأدام عزّها واستقرارها.