انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو قصير، يقال إنه في البرازيل، لوالدين ينتظران طفلتهما الصغيرة أمام الحضانة، وفور خروجها سارعت إلى احتضان حارس البوابة، الذي اعتادت أن يستقبلها كل صباح.
قد يبدو المشهد طريفاً لدى البعض؛ طفلة تركض لتعانق شخصاً تراه يومياً، لكن ما لا يظهر في الفيديو هو ذلك الفراغ الذي دفعها إلى هذا الاختيار، فالأطفال لا يجاملون ولا يعرفون حسابات البروتوكول الاجتماعي، هم ببساطة يذهبون إلى حيث يجدون الأمان وحيث يشعرون أنهم محبوبون.
المشكلة هنا ليست في الحارس ولا في المربية ولا حتى في الحضانة، ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول حضور الأب والأم إلى حضور شكلي، أو إلى مواعيد مؤجلة، وحين يصبح التواصل مع الطفل مجرد أسئلة روتينية سريعة، لا تترك له مساحة حقيقية ليعيش طفولته داخل بيت يشعر فيه بالدفء.
كثير من الآباء يظنون أنهم أدوا ما عليهم حين يوفرون لأبنائهم بيتاً مريحاً وتعليماً جيداً وحياة مستقرة، لكن الحقيقة، التي قد لا يحب البعض مواجهتها، أن الطفل لا يقيس الحب بمستوى الرفاه، بل بكمية الوقت والاهتمام، فقد ينسى ما اشتريته له لكنه لن ينسى من كان بجانبه حين خاف أو حين فرح، أو حتى حين أراد أن يحكي شيئاً بسيطاً.
الاعتماد المفرط على المربيات أو العاملات في تربية الأبناء ليس مجرد حل عملي لضيق الوقت، بل هو قرار تربوي له أثره الممتد، الطفل الذي يتلقى الحنان والتوجيه من خارج الأسرة، سيُعيد تشكيل فهمه للعلاقة والثقة والانتماء، ومع السنوات قد يكبر وهو يشعر بأن أقرب الناس إليه ليسوا الأقرب فعلاً.
وهنا يتشكل ذلك الجدار غير المرئي، جدار من المسافات الصامتة، ومن المشاعر المؤجلة يتراكم سنة بعد أخرى، حتى يجد الأهل أنفسهم أمام أبناء لا يشاركونهم تفاصيلهم، ولا يلجؤون إليهم عند الحاجة، لأنهم ببساطة لم يعتادوا ذلك منذ البداية.
ليس المطلوب أن يترك الأب عمله ولا أن تتخلى الأم عن طموحها، ولا حتى أن تُلغى الاستعانة بالمساعدة المنزلية، الفكرة أبسط من ذلك، أن نُعيد ترتيب الأولويات، وأن نفهم أن التربية لا يمكن تفويضها بالكامل، لأنها علاقة يومية وتفاصيل صغيرة ولحظات قد تبدو عابرة، لكنها تترك أثراً لا يزول.
وأخيراً، الأطفال لا يحتاجون آباءً مثاليين بقدر ما يحتاجون آباء حقيقيين، آباء يخطئون أحياناً لكنهم حاضرون، لأن الغياب، حتى لو كان مبرراً، يترك أثراً لا يمكن تبريره لاحقاً.
وربما السؤال الذي يستحق أن يُطرح؛ حين يكبر أبناؤنا.. إلى من سيركضون أولاً؟