أَيُخَانُ الوَطَنُ؟!

أيُعقلُ أن تمتد يدٌ بالغدر إلى وطنٍ لم يعرف يوماً إلا العطاء، ولم يقدّم لأبنائه إلا الأمن والأمان، والكرامة والاحتواء؟!

تابعنا، الأحكام الصادرة بحق من باعوا وطنهم، وتجردوا من أدنى معاني الوفاء، فاصطفّوا مع عدوٍ لم يتردد لحظة في استهداف أرضنا بالصواريخ والمسيّرات، مهدداً أمننا، ومروعاً أهلنا، وساعياً لضرب اقتصادنا واستقرارنا.

أحكامٌ بسحب الجنسية، وأخرى بالسجن، طالت كل من تجرأ على خيانة وطنه، أو تخابر مع خصومه، أو هلّل لعدوانٍ استهدف أبناءه.

لكن السؤال الذي يظلّ يجلجل في الوجدان: أيُخَانُ الوطن؟! أَتُخَانُ البحرين، ومِمَّن؟!

من أبنائها؟!

من أناسٍ عاشوا في كنفها، ونهلوا من خيراتها، وشهدوا حرصها عليهم في كل الظروف؟!

من أناسٍ رأتهم هذه الأرض أبناءً لها، فإذا بهم يردّون الجميل نكراناً، ويقابلون الإحسان خيانة؟!

البحرين، منذ نشأتها، قامت على قيمٍ راسخة، السلام، والعدل، والتعايش، واحترام الإنسان كإنسان.

سار على هذا النهج قادتها، وفي مقدمتهم حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، الذي جعل من الإنسان محور التنمية، ومن التسامح قاعدة الحكم، ومن العفو خُلقاً أصيلاً. شهدت البحرين في عهده مرحلةً مضيئة من الانفتاح والإصلاح، كان عنوانها الأبرز احتواء الجميع، وفتح الأبواب حتى لمن أخطأ.

عفوٌ شامل، وفرصٌ متجددة، ودعواتٌ صادقة للعودة إلى حضن الوطن، والعمل من أجله لا عليه.

وما كان ذلك إلا امتداداً لنهجٍ أصيلٍ أرساه والده الأمير الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، الذي عُرف بقربه من الناس، وبإنسانيته التي لم تفرّق بين أحد، وقبله أجداده الكرام.

بل إن الدولة لم تكتفِ بالعفو، بل سعت إلى ترسيخ مبادئ العدالة والكرامة حتى في أدق التفاصيل، فأنشأت مؤسساتٍ تُعنى بصون حقوق الجميع، حتى من صدرت بحقهم أحكام، إيماناً بأن الإنسان لا تُسلب إنسانيته بخطأ، ولا تُهدر كرامته بذنب.

أيُّ وطنٍ يفعل ذلك، ثم يُخَان؟!

أيُّ قيادةٍ تفتح أبوابها، وتمنح الفرص، وتُغَلِّب العفو على العقاب، ثم تُواجَه بالغدر؟!

لقد أثبتت البحرين، مراراً وتكراراً، أنها وطنٌ لا يُقصي، ولا ينتقم، بل يحتوي ويُصلح ويمنح الأمل.

لكن حين يتحول الخطأ إلى خيانة، وحين يمتد الأمر إلى التخابر مع العدو، أو تأييد العدوان، فإن المسألة لم تعد وجهة نظر، ولا زلّة عابرة، بل جريمة تمسّ وجود الوطن ذاته.

وهنا، لا مجال للتسامح. ولا موضع للتردد.

خيانة الوطن ليست رأياً، وليست حرية تعبير، بل سقوطاً أخلاقياً مدوياً، وانحداراً لا يمكن تبريره، ولا القبول به تحت أي ظرف.

مؤلمٌ أن يكون الخائن منّا، مخجلٌ أن يكون مَن عاش بيننا، وشاركنا خبز هذه الأرض وماءها، ثم اختار أن يكون خنجراً في خاصرتها.

ألم يتذكروا أمن هذه البلاد؟!

ألم يستحضروا ما قدّمته لهم من استقرار وطمأنينة؟

ألم يروا كيف وقفت الدولة إلى جانب الجميع في الأزمات، وكيف ضحّت من أجلهم، وقدّمت كل ما يلزم لصون حياتهم وكرامتهم؟!

ثم بعد ذلك كله، يختارون الخيانة؟!

إن من ينسى فضل وطنه، لا يستحق الانتماء إليه.

ومن يفرّط في أمنه، لا يستحق أن ينعم بأمانه.

ومن يمدّ يده للعدو، لا مكان له بين المخلصين.

واليوم، حين يُطبّق القانون، فإنما يُطبّق ليحفظ الحق، ويصون الوطن، ويضع الحدّ الفاصل بين الوفاء والخيانة.

فلا يستوي من أفنى عمره في خدمة بلاده، مع من باعها بثمنٍ بخس، ولا يستوي من وقف في صف الوطن، مع من اصطفّ في صف أعدائه.

البحرين لن تخسر، فالأوطان لا تخسر ومعها قيادة قوية واثقة، لا تخسر ومعها أبناؤها المخلصون.

الخاسر الحقيقي، هو من خسر نفسه، وخسر شرف الانتماء، وباع تاريخه وضميره.

ستبقى البحرين، بعون الله، عزيزةً، منيعةً، قويةً بقيادتها، ومتماسكةً بشعبها الوفي.

وسيبقى صوت الحق عالياً، البحرين لا تُخَان، لأنها لا تغفر الخيانة.