خلال السنوات الماضية شاهدنا كيف تحولت بعض الدول إلى دول فاشلة ومنهارة، وتشتت شعوبها في كل أقطار الأرض بعد أن فقدوا الأمن والاستقرار وحتى لقمة العيش، بسبب تقديم ولاءات خارجية على مصالح الوطن العليا، وهو ما يؤكد أن الوطن ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل هو الطمأنينة والمعنى الحقيقي للانتماء، لذلك فإن الولاء يصبح موقفاً يتم اختباره في كل لحظة.

من هنا، يمكن قراءة الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الدولة، بإسقاط الجنسية عن 69 شخصاً ثبت تورطهم في تمجيد أعمال عدائية أو التخابر مع جهات خارجية، ليس بوصفها قرارات قانونية فقط، بل جزءاً من معادلة أكبر عنوانها، حماية البيت من الداخل، فالقرار لا يتعلق بالأرقام، بل بمبدأ واضح بأن المواطنة مسؤولية، وليست مجرد وثيقة نحملها.

الإجراءات الأخيرة تؤكد رسالة هامة وواضحة للجميع مفادها أن الانتماء لا يتجزأ، فلا يمكنك أن تكون جزءاً من وطن، وفي الوقت ذاته تتعاون أو حتى تتعاطف مع من يستهدفه، وهو تناقض لا تقبله أي دولة ذات سيادة، ولا أي مجتمع يسعى للحفاظ على أمنه واستقراره. ولهذا جاء القرار مستنداً إلى نصوص قانونية واضحة، تضع حداً لكل مَن يحاول أن يخل بواجب الولاء، أو يضر بمصالح البلاد.

هذه الرسالة تعززها الأحكام القضائية التي صدرت بحق عدد من المتهمين في قضايا تخابر مع الحرس الثوري الإيراني، حيث كشفت الوقائع عن محاولات ممنهجة لاستهداف منشآت حيوية وجمع معلومات حساسة مقابل أموال، وبالتأكيد فهي ليست مجرد جرائم، بل اعتداءً مباشراً على أمن الدولة وسلامة المجتمع.

وهنا لا بد من شهادة حق، نفخر بها كبحرينيين، وهي أنه ورغم حساسية هذه القضايا، فإن الإجراءات القضائية سارت ضمن إطار قانوني واضح، حيث توفرت للمتهمين كافة الضمانات، من حضور محامين إلى إتاحة الفرصة للدفاع، وهو ما يرد على كل من يشكك بالإجراءات أو المحاكمات، حيث إن الدولة تدير معركتها الأمنية من داخل القانون وبما يحفظ العدالة قبل أي شيء.

وهنا لا بد لي من الإشارة إلى بيان وزارة الداخلية، والذي وضع الأمور في نصابها عبر التأكيد بأن الهدف ليس العقاب بحد ذاته، بل حماية الاستقرار المجتمعي، والحفاظ على مكتسبات الوطن، والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، وهي رسالة لكل من يخطئ في تقدير خطورة اللعب على حافة الأمن الوطني.

وهنا لا بد أن أطرح السؤال الأهم؛ ماذا يعني أن تكون مواطناً؟ هل هو مجرد انتماء قانوني، أم التزام أخلاقي قبل ذلك؟ الواقع يقول إن المواطنة الحقيقية تقاس في اللحظات الحرجة، حين تختار بين مصلحتك الضيقة ومصلحة وطنك.

الوطن لا يطلب الكثير.. هو يريدنا جميعاً أن نقف معه حين يحتاجنا، كما كان معنا في كل الأوقات، لأنه في زمن التحديات لا مكان للمنطقة الرمادية.