د. توفيق السباعي

كشفت الاعتداءاتُ الإيرانيّة الآثمة على دول الخليج العربي عن اتساع مفهوم الأمن الخليجي وانتقاله من حدود الرَّدع العسكري إلى فضاءٍ أوسع، تتقاطع فيه السيادة والمصالح الحيوية والطاقة والممرات البحرية والإعلام الرقمي. ولذلك لم يعد الأمن الخليجي ملفًا عسكريًا منفصلًا، بل مسارًا استراتيجيًا واسعًا تُدار فيه التحديات بوعي المنظومة ككل، وبرؤيةٍ جامعة لا ترتهن لضغط اللحظة، بل تستشرف مآلاتها وتصوغ منها نهجًا أكثر صلابةً للمستقبل.

ومن هنا تبرز أهمية ما صدر عن القمّة الخليجية الاستثنائية في جدة؛ إذ لم تقف مخرجاتها عند حدود الإدانة أو البيان السياسي، بل اتجهت إلى بناء المَناعة الخليجية. فالدعوة إلى تسريع مشاريع سكة الحديد، والربط الكهربائي والمائي، واتخاذ خطوات لإنشاء أنابيب لنقل النفط والغاز، ودراسة مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، وإنجاز منظومة الإنذار المبكر، ورفض أي إجراءات تمس حرية الملاحة في مضيق هرمز، كلها تعكس انتقالًا مهمًا من إدارة الخطر إلى بناء البدائل. وهي في جوهرها أدواتُ سيادة، وضماناتُ استقرار، ورؤيةٌ شاملة للأمن الخليجي تمتد من الدفاع إلى الطاقة والماء والغذاء وسلاسل الإمداد.

ولا تكتمل صناعة المَنَعة الخليجية من دون جبهةٍ داخلية مُحصّنة. فالإجراءات القانونية والسيادية التي اتخذتها مملكة البحرين بحق من ثبت تورطهم في دعم أو تمجيد أعمال تمس أمن الدولة وسلامتها، ومنها القرارات السيادية ذات الصلة بالجنسية وفق الأطر القانونية الوطنية، تمثل امتداداً طبيعياً لحماية السيادة من الداخل كما تُحمى من الخارج. فالأوطان لا تُصان بردع التهديدات الخارجية وحدها، بل بصيانة معنى المواطنة من خطاب أو سلوك يبرر أي عدوان، أو يهدد السلم الوطني، أو يفتح ثغرة في جبهة الداخل. ومن هنا تكتسب الخطوة البحرينية أهميتها الخليجية الأوسع؛ فهي تقدم نموذجًا سيادياً رصيناً يمكن لدول الخليج الاستفادة من روحه ومقاصده، وفق خصوصية كل دولة ونظامها القانوني، لترسيخ مبدأ واضح: أن الأمن الخليجي المشترك لا يكتمل بالتحالفات والمشروعات الدفاعية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى منظومة مساءلة قانونية وأمنية متناغمة تحمي الجبهة الداخلية وتغلق منافذ الاختراق.

وفي زمن العالم الرقمي المفتوح، لم تعد حماية الخليج مسؤولية الجيوش والمؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبحت السردية الوطنية جزءًا أصيلًا من الأمن القومي. ومن هنا فإن ما شهدته فعالية «مؤثري الخليج» في دبي ينبغي أن يُقرأ بوصفه بداية لمسار خليجي مُنسّق ومستدام لبناء سردية موحّدة، تواجه حملات التضليل والتشويه، وتصحح الصورة في التغطيات المنحازة أو القاصرة. فالمؤثر الخليجي أصبح شريكاً في حماية الوعي، ومطالباً بالانتقال من رد الفعل إلى المبادرة بوصفه صاحب رسالة وطنية مسؤولة، موظفاً المعرفة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لإبراز المنجزات التنموية والدفاع عن المصالح السيادية لدول مجلس التعاون. ولا تخلو الساحة الخليجية من أصواتٍ مسؤولة ومؤثرة، غير أن الرهان اليوم هو تحويل هذه الجهود الفردية إلى عمل خليجي أكثر تنظيماً وتكاملاً واستدامة.

ولعل أكثر ما استوقفني في هذا السياق ما طرحه الدكتور عبدالعزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، خلال لقائه عبر برنامج «صوت الفكر» الذي ينظمه مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»، من دعوة إلى رؤيةٍ خليجية مستقلة تؤمن بأن ما يجمع دول مجلس التعاون أكثر مما يفرقها، وترى أن استمرار هذا الكيان وبقاءه حقٌّ لأبناء دوله لا يجب التفريط فيه، إلى جانب تأكيده أن مراكز الفكر في الخليج قوةٌ ناعمة لا تكتمل قيمتها إلا حين تنتقل من التحليل والتوصيف إلى الأثر العملي والتأثير المؤسسي. وهذا الطرح، في جوهره، يختصر حاجة الخليج اليوم إلى وعيٍ استراتيجي لا يكتفي بقراءة التحولات، ولا يترك مساراتها تُرسم خارج إرادته، بل يحوّلها إلى خياراتٍ سيادية، ومشروعاتٍ تكاملية، وسرديةٍ مسؤولة، ومناعةٍ راسخة تصون المنظومة الخليجية ومجتمعاتها، وتمنحها قدرةً أعمق على صناعة المستقبل لا الارتهان لإملاءاته