لا أدري إن قام -بعد كتابة هذه السطور- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن عمليات قصف على النظام الإيراني، والتي توعد بها بالأمس، مشيراً إلى المماطلة المستمرة للنظام الإيراني بشأن المفاوضات.

وهنا السؤال، إذ إن كان النظام الإيراني جاداً في إنهاء الحرب الدائرة اليوم، فإن عليه أولاً أن يثبت هذه الجدية بالأفعال؛ فالمشهد الحالي لا يعكس سلوك طرف يبحث عن تسوية حقيقية، بل سلوك طرف يحاول كسب الوقت وإطالة أمد الأزمة بانتظار فرصة جديدة لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية والسياسية.

طوال أسابيع ونحن نسمع حديثاً متكرراً عن مفاوضات واتصالات ومسارات دبلوماسية، لكن ما الذي يحدث على أرض الواقع؟! هل نشهد خطوات عملية لخفض التوتر؟! أم أننا نشهد استمراراً للسياسات نفسها التي أدخلت المنطقة في هذه الدوامة الخطيرة؟! ونتساءل ونحن قبل ساعات قليلة تم استهدافنا مجدداً بالصواريخ والمسيرات من قبل النظام الإيراني المجرم!

المشكلة في الطريقة التي يتعامل بها النظام الإيراني مع المفاوضات، المشكلة مع الجدية. إذ كلما فُتح باب للحوار، ظهرت في المقابل مؤشرات جديدة على استمرار الاستفزازات والتهديدات والتحركات التي تثير القلق في المنطقة. وكأن المطلوب من الجميع أن يصدقوا خطاب التهدئة، بينما الوقائع تسير في اتجاه مختلف تماماً.

الولايات المتحدة أعلنت أكثر من مرة أنها ما زالت تمنح المسار التفاوضي فرصة، لكنها في الوقت نفسه أوضحت أنها لن تقف متفرجة أمام أي تهديد لأمن الملاحة الدولية أو أي محاولات لفرض واقع جديد بالقوة أو تطوير قدرات عسكرية تهدد استقرار المنطقة. وهذه رسالة واضحة يفترض أن يقرأها النظام الإيراني جيداً قبل فوات الأوان.

القيادة الإيرانية تعرف جيداً حجم الفارق في موازين القوة، وتدرك طبيعة الردود الأمريكية عندما تصل الأمور إلى نقطة الحسم، ومع ذلك تستمر في سياسة المماطلة والمغامرة. وكأن هناك من يدفع البلاد نحو مواجهة أكبر لا يمكن التكهن بنتائجها أو حجم الخسائر التي قد تترتب عليها.

دول الخليج العربي وشعوبها دفعت ثمناً باهظاً لعقود طويلة من التدخلات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، وعاشت سنوات من التوتر والتهديدات ومحاولات العبث بأمنها واستقرارها. ولذلك فإن من حقنا أن نتساءل إلى متى سيستمر هذا السلوك العدواني؟! وإلى متى ستبقى المنطقة رهينة مشروع لا يريد إطلاقا التحول إلى جار طبيعي يعمل بحسن الجوار والاحترام المتبادل؟!

الفرصة ما زالت قائمة أمام النظام الإيراني لاختيار طريق مختلف. طريق يقوم على التفاوض الجاد والالتزام الحقيقي بمتطلبات الاستقرار الإقليمي، بدلاً من سياسة كسب الوقت وشراء الأنفاس واستنزاف المنطقة بأكملها. إذ الاستمرار في النهج الحالي، فلن يقود إلا إلى مزيد من التصعيد. والأسوأ من ذلك أنه قد يدفع بالأحداث نحو مواجهة أوسع قد تكون نتائجها قاسية على النظام نفسه قبل غيره.

لكن السؤال الذي يحير البعض، خاصة مع تصريحات الرئيس ترامب بشأن المفاوضات، إذ هل هناك بالفعل مفاوضات مقتنع بها النظام الإيراني أم لا؟!

بل السؤال الأهم، هل يملك النظام الإيراني أصلا الإرادة السياسية لاتخاذ القرار الذي يؤجل المواجهة ويمنح المنطقة فرصة للسلام؟! أم أن هناك لاعبين أقوى هم يتحكمون في صناعة القرار الإيراني، كالحرس الثوري ومن فوقهم المرشد الجديد ابن أبيه المرشد القديم؟!