نحن الآن أمام إحدى اللحظات الفاصلة التي تُؤكد فيها هيبة الدولة، ويُعاد فيها ضبط البوصلة داخل بيت التشريع.
التصويت على إسقاط عضوية ثلاثة نواب -وبإجماع 37 نائباً كما نُشر- رسالة سياسية وقانونية وأخلاقية تقول بوضوح، أن هناك خطوطاً حمراء، ومن يتجاوزها يتحمل النتيجة كاملة.
ما قام به الثلاثة، تجاوز غير مسبوق، انحدر فيه الخطاب من موقع المسؤولية إلى موقع التبرير، ومن واجب حماية الوطن إلى لعب دور «محامي الدفاع» عن من تخابروا، وعن من هللوا لعدوٍ استهدف البحرين بالصواريخ والمسيرات.
هنا لا نتحدث عن مساحة رأي، بل عن مساس مباشر بأمن بلدٍ دفع ثمناً غالياً من دماء أبنائه ومقيميّه، من شهداء سقطوا نتيجة اعتداءات موثقة، ومن اقتصادٍ وبيئةٍ سكنية طالتها الأضرار.
في هذا السياق، جاءت كلمة جلالة الملك حاسمة لا تحتمل التأويل. وضعت النقاط على الحروف، وأعادت تعريف الوطنية تعريفاً صريحاً لا يقبل المساومة. المواطن المخلص مع وطنه في كل الظروف، يرفض التخابر، يرفض التهليل للعدو، ويرفض تبرير الخيانة تحت أي غطاء. هذه قواعد وطنية راسخة.
المخجل أن يصدر هذا الانحراف من داخل قبة يفترض أنها تُغلّظ العقوبات على الخيانة، لا أن تُليّنها. وحين يتحول صاحب السلطة التشريعية إلى منصة تبرير، فإن هذه قفزة خارج الدور، وسقوط أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. ومن الطبيعي أن يعكس ذلك استياءً شعبياً واسعاً؛ فالمجتمع البحريني، بكل أطيافه، لا يقبل أن يُساوى بين مَن يحمي الوطن ومَن يطعن فيه.
ولنكن واضحين، ما سيحدث لهؤلاء الثلاثة هو الحد الأدنى مما يستحقونه سياسياً. فالاعتذار لا يمحو أثر الموقف، ولا يبرر الوقوف في الضفة الخطأ حين تكون البلاد تحت تهديد مباشر. من سقط في هذا الاختبار، سقط من عين المجتمع قبل أي إجراء رسمي.
لكن القضية لا تقف عند ثلاثة أسماء. هناك «غيرهم». هناك من يستغل مساحة الحرية لتمرير خطاب رمادي، يهاجم الإعلام الوطني حين يدافع عن البلد، ويتثاقل لسانه عن تسمية العدو باسمه، أو يدور حوله بلغة ملتبسة. هذا النمط أخطر من الصدام المباشر، لأنه يلبس لبوس الحياد وهو يفتح ثغرات في الوعي العام. وإن استمر، فلن يجد قبولاً شعبياً، لأن الناس باتت أكثر وعياً وأقل قابلية للخداع.
ما مرت به البحرين في 2011 حالة حاضرة في الذاكرة. يومها حاولت جهات استغلال الانفتاح السياسي لتأسيس واقع موازٍ، مشروع «دولة داخل دولة» على غرار نماذج أقربها «حزب الله» الإرهابي ذراع إيراني العسكري.
سقط المشروع، وسقطت معه الأقنعة. مَن طالب بإسقاط الدولة، ومن أساء للرموز، ومن خوّن مكونات المجتمع؛ لأنه لا يتفق معها، كشف اتجاهه الحقيقي. اليوم، إعادة إنتاج تلك المحاولة -بأي صيغة ناعمة أو غيرها- مستحيلة. الوعي تغيّر، والدولة أكثر صلابة، والمجتمع أكثر تماسكاً.
نحن أمام مرحلة جديدة بعد كلمة جلالة الملك، مرحلة لا تقبل أنصاف المواقف، ولا تحتمل الكلام «المائع». البحرينيون المخلصون بكل أطيافهم ومذاهبهم الكريمة، عبّروا بوضوح عن ولائهم، وأدانوا الاعتداءات، ورفضوا كل من يبرر الخيانة أو يضعف أدوات الدولة في مواجهتها. هذه إرادة شعبية مخلصة تطلب الحسم والحزم، إسقاط العضويات، رسالة إلى كل من يظن أن البحرين ساحة تجارب أو منصة لتصفية حسابات أو تمرير أجندات. البحرين ليست كذلك، ولن تكون. هي مملكة سيادة، قانونها نافذ، وولاؤها لا يُجزّأ. لا مكان لتلوّن الألسن، ولا لخطاب يراوغ بين الحق والباطل.
الرسالة الوطنية واضحة هنا، حماية الخائن خيانة. والتغاضي عن التخابر تواطؤ.
ومن لا يحتمل وضوح هذه المعادلة، فليبحث له عن ساحة أخرى. أما هنا، فالبحرين للبحرينيين المخلصين، ولمن يقف معها قلباً وقالباً. وما دون ذلك سقط، أو سيسقط.