أرى جُرأةً غير مسبوقة في البحرينيين في مواجهة دعاة العروبة والوحدة الوطنية وسفراء فلسطين غير المعتمدين؛ فقد كانوا يحتكرون التحدث باسم العروبة، ووحدهم المدافعون عن فلسطين المحتلة، ولم يكونوا ليسمحوا لأحد أن يخالفهم الرأي في أساليب وطرق ومنطق الدفاع عن تلك القضايا «العروبة وفلسطين».
فإن اختلف معهم أحد، فتصله اتهامات الانبطاح والصهينة والتطبيع والعبودية وووو، وهي «باكيج» من الاتهامات تُلقى على أيِّ من يعترض على فكر تلك الجماعة.
لِمَ الآن هم في مرمى هدف من كان يختلف معهم سابقاً ولم يجادلهم؟ السبب بسيط جداً؛ لأن زيف ادعاءاتهم انكشف.. كيف؟ أولاً: فشلوا في امتحان العروبة والدفاع عنها؛ العروبة حين لم يروا في اعتداء إيران واحتلالها لأربع عواصم عربية اعتداءً أو احتلالاً يستدعي حفلات الخطابة التي تنعقد كلما تعرّض الفلسطينيون لاعتداء، وكأن العروبة قصراً على من تعتدي إسرائيل عليه، أما مَن تعتدي إيران عليه فمنزوع الدسم العربي لا يُغريهم للوقوف في الساحات وحمل الأعلام.
ثم جاءت الضربة القاصمة لخطهم حين صمتوا وهم يرون وطنهم يتعرّض لاعتداءات غاشمة بشكل غير مسبوق، ومع ذلك لم يجدوا ما يستدعي اتخاذ موقف مُشرّفٍ بديهي وطبيعي، ولا يحتاج لتفكير أو تردّد، ومع ذلك احتاروا وبقوا صامتين لا يعرفون ماذا يقولون، وكأن برمجتهم لا تحمل بند موقفكم من احتلال بلادك.
جملة اعتراضية: ربما لم يفكروا أن الأمن الذي نعموا به بفضلٍ من الله، وبفضل دفاعاتنا الجوية -حماها الله، وسلِمت يد كلٍّ منهم- هو السبب بأنهم لم يستشعروا بالخطر، وقد يكون السبب الثاني أنه بفضل إدارة حكومية فاعلة عاملته طوال الوقت كمواطن «سوبر ديلوكس» يمارس حياته الطبيعية وبلده تتعرّض للصواريخ والمسيّرات، لم يظن أن بلده في حرب فعلية وحقيقية، وقد يكون السبب أن قواته المسلحة أغنته عن حمل السلاح والدفاع عن شرفه وعرضه، فقد أدّت ذلك نيابة عنه، وقد كان ذلك أدعى بأن يرمي ما في يده، ويسجد سجدة شكر على نعمة البحرين دولةً وقيادةً وحكومةً وجيشاً، لذلك لم يُكلِّف نفسه النهوض من تحت اللحاف وتسجيل موقف، مجرد موقف.. ومع ذلك خذل وطنه، ربما لأن المعتدي ليس إسرائيل.
سنين والبحرينيون لم يُجادلوهم في مكياليهم، في (شطتهم) بالدعم «المعنوي» ضد احتلال، وصمتهم وسكوتهم عن احتلال آخر، ودفاعهم لعرب دون آخرين؛ فالعروبة غير مكتملة في نظرهم في السوريين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين الذين بكوا دماً من الاحتلال الإيراني، ولا أحد يعلم لِمَ الاحتلال الإيراني احتلال مقبول نوعاً ما؛ حالة غريبة لا يمكن أن تنتسب إلى العروبة.
وحتى على صعيد الدعم للشعب الفلسطيني، حالتهم غريبة؛ فهم لا يرون فيما قدمته مملكة البحرين للفلسطينيين دعماً، بالرغم من أنه دعمٌ استفاد منه شباب فلسطين وأطفالهم، كالمدارس والمختبرات والسكن، حين قدّمت مملكة البحرين العديد من المساعدات في أوقات أزمات هذا الشعب المنكوب والمحتلة أراضيه قسراً.
لكن تلك الجماعة لا ترى هذا الدعم أمراً مجدياً، إنما الوقوف في أي ساحة فارغة في البحرين ورفع الأعلام وطرق «القدور» أي (الجدور) فعلٌ أجدى منه، وجهدٌ مجاني يستحق الاحتفاء، ويرون المشاركة في أسطولٍ يعلمون أنه لن يصل بالمساعدات، وأنه مجرد دعمٍ معنوي، لكنه أمرٌ يستحق الاحتفال، وعملٌ يتسم صاحبه باحتكار الشرف، لكن مدرسةً أو سقفاً يؤوي أسرة غزاوية مسألةٌ فيها نظر!
لم نسمعهم مرةً واحدة يشكرون قائد هذا الوطن، أو يتفاخرون بفعل دولتهم التي لم تتعذر بمحدودية مواردها، بل قدّمت ما تستطيع تقديمه، ولم تَمُنّ ولم تتفضّل على إخوتنا في فلسطين، بل تواضعت وأعلنت عن تلك المساعدات بقدرٍ لا يمسّ كرامة من قُدِّمَت له. هل سمعتموهم مرةً يتبرعون لمرافقة تلك القوافل البحرينية؟
فعلاً، حالتهم غريبة؛ برمجتهم تتعرّف على احتلال واحد فقط، إعداداتهم لا تستوعب احتلالاً آخر كالاحتلال الإيراني، الذي هجّر من السوريين واللبنانيين والعراقيين من دولهم العربية -أكرر: العربية- أكثر مما هجّرت إسرائيل من الفلسطينيين. هل رأيتموهم يرفعون علم سوريا أو لبنان أو العراق، ويطالبون بتحرير تلك الدول العربية من المحتل الإيراني؟
سكوت الناس عن جعجعتهم سابقاً كان إكراماً للعلم الفلسطيني، إنما ليس قبولاً بصحة ما يقومون به من جعجعةٍ فارغة أطلقوا عليها «دعماً معنوياً».
أعطوهم العذر حين لم يجتمعوا ويقرروا أن يدعموا لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن من الاحتلال الإيراني، لكن ما عذرهم من إعلان موقفهم من الحرب على وطنهم؟ ما عذرهم من الاعتداءات على الإمارات وقطر والسعودية والكويت وعُمان، أم هؤلاء أيضاً ليسوا عرباً؟
أين صوتهم؟ أين أعلام وطنهم؟ أين (جدورهم) كي يطرقوا عليها؟ بل في عزِّ الحرب المعلنة على بلدهم ما زالوا «يبدون» فلسطين على وطنهم؛ خرجوا من بيوتهم، ولعلعوا بأصواتهم، ونالوا من مؤسسات بلدهم واستهزؤوا بها، ومن موقف أهلهم وناسهم، وجلّ همّهم هو مساندة أهل فلسطين، ونسوا أن بلدهم احتاج منهم كلمةً عن العين والنفس....
والأدهى من ذلك الاستهتار والاستهانة بما حدث للبحرين لبلدهم، والاستخفاف بخطورته، لدرجة أن إحداهن سمّت ما حدث في مجلس النواب ليس خيانةً، بل مجرد اختلاف في الرأي طبيعي.
وآخر قال إن مؤسساتنا في مهبّ الريح، ولم يرَ أن وطنه كان في مهبّ الريح و700 صاروخ ومسيّرة تُرمى على سماء وطنه.
طبيعي، هذا هو رأيهم؛ فإنهم لم يروا حرباً تُشنّ على وطنهم، فأكيد لن يروا أن الاختلافات في هذا الوقت خيانة.
ختاماً:
حين احتاج وطنكم لموقفكم خذلتموه، وبعد أن سقطت ورقة التوت عنكم، لا عاد نسمع منكم كلمة عن العروبة أو الوطنية، ولا حتى عن القضية الفلسطينية ولا حتى نسمع منكم دروساً في الشرف؛ الشرف مواقف، لا أعلام ولا شعارات ولا (جدور) تُطرق.