قبل أكثر من أربعةٍ وعشرين عاماً، توافق البحرينيون على مشروعٍ وطنيٍ جامع أكد هوية الدولة وثوابتها الدستورية، وجاءت المادة الأولى من دستور مملكة البحرين لتؤكد بوضوح أن البحرين دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة كاملة، وأن شعبها جزء من الأمة العربية وإقليمها جزء من الوطن العربي الكبير، وأن نظام الحكم فيها ملكي دستوري وراثي. لم يكن ذلك مجرد نص قانوني، بل عقداً وطنياً - لا تراجع عنه - يحدد هوية الوطن ونظام حكمه وانتماءه العربي والخليجي ويحمي استقراره ووحدته الوطنية. هذا الاتفاق لم يكن موجهاً ضد أحد، بل جاء لترسيخ فكرة الدولة الوطنية وحماية البحرين من أي مشاريع خارجية أو ولاءات تتجاوز الوطن والهوية الجامعة. ولهذا يصبح من المؤسف أن يصر البعض، حتى بعد كل هذه السنوات، على تجاوز ما اتفقنا عليه كلنا، عبر إظهار التعاطف السياسي والفكري مع النظام الإيراني، ذلك النظام الذي لم ينجح حتى في تقديم نموذج مستقر لشعبه سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، فضلاً عن سجله الطويل في التدخل في شؤون البحرين والدول العربية وزعزعة أمنها واستقرارها.

فإيران تعاملت مع المنطقة من منطلق النفوذ والتوسع واستغلال الانقسامات والطائفية لخدمة مشاريعها السياسية. وخلال العقود الماضية، شهدت عدة دول عربية نتائج كارثية بسبب تمركز الميليشيات الموالية لإيران فيها وسعيها لتأسيس مشاريع «ولاية الفقيه” التي تتجاوز الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية. ولهذا فإن القلق من هذه المشاريع ليس وهماً أو مبالغة، بل يستند إلى تجارب واقعية دفعت شعوب عربية أثماناً باهظة بسببها، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو وحدة المجتمعات.

المؤسف أن البعض هنا بات يُظهر هذا التعاطف بصورة علنية أو داخل دوائره الخاصة، وكأن الانتماء الوطني أمر يمكن تجاوزه لصالح ولاءات خارجية أو مشاريع أيديولوجية دخيلة. وهناك من يتمنى أن يرى البحرين تسير في اتجاه نظام يقوده معمم يحتكر القرار السياسي والديني معاً، تماماً كما هو الحال في نموذج النظام الإيراني الذي يراه البعض مثالاً يُحتذى، رغم فساده وبطشه وعنصريته ورغم ما يعانيه شعبه من أزمات وعزلة وتراجع اقتصادي واجتماعي واضح.

وطوال السنوات الماضية اجتهدت الدولة البحرينية في خدمة المواطن دون تفرقة من خلال برامج تنموية وخدمية متقدمة، وأشركت الجميع في عملية صنع القرار من خلال المجالس التشريعية، وأعطت الفرصة تلو الأخرى لمن خالف بتوجهاته الدستور والقانون للعودة إلى المسار الوطني. وعندما لم تنجح محاولات الترغيب، استخدمت أدوات القانون لوضع حد لتجاوز البعض الخطوط التي تمس أمن الوطن واستقراره ووحدته الوطنية.

ومن هنا، فإن القبض والسجن أو إسقاط الجنسية - وهي كلها تعد قرارات سيادية لا نقاش فيها - عمّن أظهروا تعاطفاً مع النظام الإيراني، أو برروا هجماته واعتداءاته الآثمة ضد البحرين، جاء بعد سنوات طويلة من محاولات الاحتواء الصادقة والترغيب والتشجيع على الانتماء. وللتوضيح فإن الإنسان عندما يبرر الاعتداء على وطنه، أو يتعاطف مع من يستهدفه، فإن ذلك ليس «اختلافاً سياسياً” بل خيانة صريحة للوطن ومعنى الانتماء الوطني.

البحرين خليفية الحكم، عربية الهوية، خليجية الانتماء، مستقلة القرار، ولن تتحول إلى نسخة مستوردة من أي مشروع خارجي. وأن غسل الدماغ الذي أصاب البعض، والذي أدى إلى إبعادهم ذهنياً وعاطفياً عن وطنهم مصيره خسارة الوطن حتماً والطرد منه، فاتفاقنا ملزم للجميع.

أكتب هذه السطور تزامناً مع خبر إلقاء القبض على التنظيم الرئيس المرتبط بالحرس الثوري الإيراني وهو إنجاز أمني كبير يحسب لوزارة الداخلية ورجالاتها الأوفياء، على أمل أن نتخلص قريباً من آفة الولاءات المزدوجة والمنافقين وكل من يريد الشر لهذه البلد الآمن.