ما كشفته وزارة الداخلية مؤخراً بشأن الخلية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وتوقيف 41 فرداً من عناصرها ممن يحملون فكر «ولاية الفقيه»، يضعنا أمام مرحلة مفصلية تستوجب التوقف والتأمل، وإعادة قراءة المشهد بعين أكثر وعياً ومسؤولية، حتى لا تتكرر مثل هذه الخيانات التي تستهدف الوطن وأمنه واستقراره.
فعلى الرغم مما شهدناه من أيام عصيبة واعتداءات آثمة مصدرها دولة يُفترض بها أن تكون دولة جوار، إلا أن التاريخ أثبت مراراً أنها لم تتعامل مع البحرين بعقلية الجار الحريص على استقرار المنطقة، بل ظلت تمارس سياسات التدخل والتأزيم ومحاولات العبث بالأمن الوطني. وفي المقابل، استطاعت مملكة البحرين أن ترسخ مكانتها السياسية والدبلوماسية، وأن تتحول إلى رقم مؤثر في المعادلات الإقليمية والدولية وصناعة القرار، في وقت تعيش فيه تلك الدولة عزلة سياسية واقتصادية متفاقمة.
غير أن الأخطر من التهديد الخارجي، هو أن تتحول الخيانة إلى فعل ينبع من الداخل، من أشخاص باعوا أوطانهم قبل أن يخونوا أسرهم ومجتمعاتهم. فكل من يضع نفسه أداة في يد الخارج، لا يدرك أنه يهدد أهله وأبناءه ومستقبل مجتمعه قبل أي شيء آخر. والتاريخ يؤكد أن الخائن لا يحظى باحترام أحد، فلا وطنه يغفر له، ولا الجهة التي استخدمته ترى فيه أكثر من ورقة مؤقتة تنتهي صلاحيتها بانتهاء دورها.
فالخيانة لم تكن يوماً طريقاً إلى المجد أو النفوذ، بل كانت دائماً طريقاً إلى العزلة والسقوط. والخائن يبقى منبوذاً من الجميع، لأنه خسر مجتمعه وثقة الناس، وفي الوقت ذاته لم يكن بالنسبة لمن استعان بهم سوى أداة تُستخدم ثم تُلقى جانباً، وقد حفلت صفحات التاريخ بنماذج كثيرة تؤكد هذه الحقيقة.
ولو تأملنا بعض الشخصيات التي برزت عبر وسائل التواصل في سياق قضايا التخابر والارتباط بالخارج، لوجدنا أن عدداً منهم تلقوا تعليمهم في دولة العدو، وبعضهم ارتدى العمامة، وتحدث باسم الدين بين الناس، ما يفرض تساؤلات خطيرة حول حجم التأثير الذي مارسوه على فئات من الشباب، ومدى خطورة الفكر الذي سعوا إلى تمريره تحت غطاء ديني أو أيديولوجي. وهنا نستحضر قول الله تعالى: «ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله»، وهي حقيقة إلهية أثبتها التاريخ مراراً، بأن من يتآمر على وطنه لا يحصد في النهاية إلا الخسران.
إن مملكة البحرين تقف اليوم أمام مرحلة مختلفة بكل المقاييس، مرحلة عنوانها الوضوح في مواجهة كل من استبدل انتماءه الوطني بالولاء للخارج، وقَبِل بأن يكون تابعاً لمشاريع تنظيمية وأيديولوجية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وأفكار «ولاية الفقيه». ولذلك فإننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التكاتف والوعي ووحدة الصف، لأن أخطر ما يراهن عليه العدو هو تفكك المجتمعات وانقسامها. وقد حذرنا الله تعالى من ذلك بقوله: «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات».
حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وحماها من كيد المتآمرين، وحقد الخائنين، وكل من أراد بها سوءاً.
* قبطان - رئيس تحرير
صحيفة «ديلي تربيون» الإنجليزية