أن تعشق مدينة من المدن في أي من أرجاء المعمورة، فهذا أمر شائع ومتعارف عليه، وأن تعشق كتاباً قرأته، فذلك لك حق أصيل لا يعارضك فيه أحد، وحتى لو عشقت فريقاً رياضياً فلا ضير على الإطلاق، إذ إن عشقك لا بد أن يكون راسياً على ارتباط عاطفي وثيق بشكل أو بآخر، أما أن يكون المرء من عشاق فكر متطرف يتنفس القتل، ومنظمات تعمل على استغلاله وإهانته، وشخصيات لا تأبه بوجوده أصلاً، فإن ذلك أمر قد يدعو إلى الاستغراب والتعجب!

لكن التعجب والاستغراب يا عزيزي القارئ، يتلاشى إذا عدنا إلى المنبع، والتمسنا الجذور، فالدوافع التي جعلت أشخاصاً غير أسوياء ينخرطون في صفوف داعش وتنظيم القاعدة وغيرها من المنظمات الإرهابية التي ترتدي عباءة الإسلام، هي ذات الدوافع التي تجعل أشخاصاً مختلي العقول ينخرطون في جهود منظمات إرهابية عابرة للحدود مثل الحرس الثوري وحزب الله، كلهم سيان، ومن يدعي خلاف ذلك فهو يسير خلف هوى العاطفة لا أكثر.

وكما أن للقاعدة وداعش مرجعية ومنظرين، فإن الجهات العدوانية والإرهابية الحالية في المنطقة والتي هي ذيول لإيران قولاً وعملاً، تستقي خطها العقائدي والسياسي والميداني من فكر ولاية الفقيه، هذا الفكر الغريب والذي تنتج عنه مسارات دموية وهمجية، لا هم لها سوى نشر الفوضى وهدم منجزات الأوطان، وغسل الأدمغة بحرفية بالغة، كي يصل إلى محصلة مفادها: أطعْ المرشد المبجل، واعملْ على خراب بلدك، واسعَ في تدمير ما يمكنك تدميره بكل نشاط وحماس، ولا تقلق، فإن لك الجنة بعد هذا كله!

شواهد التاريخ على دموية ولاية الفقيه كثيرة، يتطلب الإسهاب فيها فصولاً متعددة، ولكن لنا في بعض من الشواهد المعاصرة خير مثال، فكلنا رأينا دعوة النظام الإيراني لشعبه لكي يشكل سلاسل بشرية حول المحطات والجسور والسكك الحديدية، فكونهم غير قادرين على حمايتها، ما المانع في أن يضحوا بعدة آلاف من أفراد شعبهم؟ لا مانع أبداً، ما داموا يسيرون خلفنا كيفما اتفق، فلنسحقهم بكل ما أوتينا من قوة!

لماذا أتيت بهذا المثال تحديداً؟ لأن له مثيله كنسخة كربونية في الحرب التي خاضتها إيران من قبل، وجاء به مطور فكرة ولاية الفقيه والمرشد الأسبق لإيران، الخميني، فحين كان القتال محتدماً على كافة الجبهات، وكانت الألغام تُزرع على طول الخطوط، ووجود الألغام بهذه الكثافة يجعل أمر تقدم القوات الإيرانية في بعض المواقع صعب المنال بل شبه مستحيل، فما العمل؟ هل نستخدم الكلاب البوليسية لتحديد مواقعها والتعامل معها بدقة؟ هل نستخدم متفجرات إضافية لتطهير المنطقة؟ أو نلجأ مثلاً إلى كاسحات الألغام التي تعد أكثر كفاءة؟ لا لا، هذه الطرق ليست دموية بما فيه الكفاية، فلنلجأ إلى الدفع بالأطفال إلى مواقع الألغام، فهم سيموتون على أي حال، ولهم ثواب عظيم!

نعود إلى مسألة غسيل الأدمغة، قد يكون خداع بعض الشعوب الفقيرة والضحك على ذقونها ببعض الكلام المنمق أمراً غير صعب وغير مستغرب، ولكن أن يمتد هذا الفكر الخبيث ليطال عدداً من الأفراد المحسوبين علينا كمواطنين خليجيين؟ فإن هذا استدعى وقفة جادة وحازمة، بدون أي تلطيف للمسميات أو تهوين لماهية الوضع القائم من قبل بعض المجموعات الشاذة، فمن عاش في خير هذه الأوطان وتنعم بنعيمها، ثم انقلب على عقبيه وعمل بتواطؤ مع الأعداء، فإنه لا يستحق إلا أشد العقوبات، ليكون عبرة لمن يعتبر، ولمن تسول له نفسه أن يميل تجاه أي من هذه الاتجاهات الضالة.

الحكومات الخليجية ولله الحمد تعمل على قدم وساق في التصدي للمتخابرين وخونة الأوطان، ومنها جهود وزارة الداخلية في مملكة البحرين التي أسقطت عدداً من الخلايا التي استيقظت من نومها بعد سبات، أو على الأقل كنا نظن أنهم في سبات، ولكنهم كشروا عن أنيابهم خلال الظروف الأخيرة وأبانوا عن نواياهم القذرة، وهم يعرضون الأمن القومي لخطر بالغ إن لم يُعاملوا بالحزم الذي يليق، لكنهم اليوم صاروا بتوفيق من المولى وبكل وضوح، في مهب الريح!