البحرين ودول الخليج العربي قبل عام 1979 لم يكونوا يعرفون أي معنى للاصطفاف المذهبي، ولا حتى الاحتراب المذهبي أو الاحتزاب الطائفي، وكان الأهالي يعيشون جنباً إلى جنب بجميع الطوائف والمذاهب في الأسواق والفرجان والمجالس والمدارس، وعملوا فوق ظهور السفن لسنين طوال، وتقاسموا الأفراح والأحزان، حتى جاء العام 1979 مصاحباً للثورة المزعومة التي حملت الخراب والدمار، حاملة معها نظاماً سياسياً حمل اسم (ولاية الفقيه) محمياً بتنظيمات مؤدلجة مرتبطة بالحرس الثوري الذي خلقه النظام الإيراني ليزرع خطاب الكراهية والانقسام، ويحوّل الأطماع السياسية إلى شقاق مذهبي.
المذهب الجعفري دائماً هو مذهب عامر بالعلم والفقه والأدب والتسامح، وحب آل البيت الكرام. وفي البحرين وقبل سيطرة نظام ولاية الفقيه على إيران، لم يكن يسأل مواطنوها بعضهم بعضاً يوماً عن المذهب الذي ينتمون إليه، بل كانت الأسئلة المطروحة بعفوية تامة وبمحبة كبيرة، من أي فريج أنت؟ ومن أي عائلة؟ ومن أي فريق رياضي؟ كانت المحبة تطغى على كافة التصنيفات، وكانت المجالس تتجاور والقلوب تتصافح، والأعياد تجمع الجميع تحت سقف وطن واحد.
وقتها حل خراب لم يكن بالحسبان، ودمار لم يكن أحد يتوقعه. جاء الخميني بنظام وضع ملفاً جديداً لنظام إرهابي تحت مسمى (ولاية الفقيه)، هذا النظام الإيراني الإرهابي طوق بحرس عسكري أسماه (الحرس الثوري)، جاء من الغرب حاملاً خطاباً غريباً على الخليج العربي، خطاباً يقوم على صناعة العدو من داخل الوطن، وعلى تحويل مواطني الخليج العربي إلى تابعين، محوّلاً المذهب إلى أداة سياسية، والمنبر إلى منصة تعبئة وصراع، واغتال هذا النظام كل من خالفه الرأي حتى من شيوخ وأئمة المذهب نفسه.
لقد حاول هذا المشروع أن يسرق التعايش السلمي واللحمة الوطنية، وأن يستبدل لغة الحكمة بلغة الميليشيا، وثقافة التعايش بثقافة الثأر، وروح المواطنة بعقيدة الولاء العابر للأوطان.
لقد اختطف مشروع ولاية الفقيه أتباع المذهب، وأوهمهم بأن الفوضى بطولة، وزجّ بهم في معارك لا تشبه تاريخهم، ولا أخلاق آبائهم وأجدادهم. لم يعرف صانع هذا النظام بأن البحرين لم تُبنَ على الطائفية، بل بُنيت على التكاتف، رعاها آل خليفة الكرام وساهم بها وببنائها السني والجعفري معاً تحت راية واحدة وهي راية الوطن؛ فحرسها الجميع، وتعايشت بها الأديان والملل والطوائف بحب وأمن وأمان وسلام ومحبة.
باختصار، كل المشاريع التي تحاول دقّ إسفين الفتنة بين أبناء الوطن الواحد مصيرها إلى الفشل، وأولها نظام ولاية الفقيه؛ لأن ما يجمع البحرينيين أعمق من شعارات السياسة، وأقوى من خطابات الكراهية.