لم يكن ما أعلنته وزارة الداخلية مؤخراً مجرد كشف أمني تقليدي، بل كشف عن مشروع اختراق استهدف وعي المجتمع البحريني ووحدته الوطنية تحت غطاءات فكرية ودينية مرتبطة بالخارج.

فالقضية لم تعد تتعلق بأفراد أو مواقف متفرقة، بل بتنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر «ولاية الفقيه»، عمل على التغلغل داخل مؤسسات دينية واجتماعية وتعليمية، ومحاولة صناعة ولاءات تتجاوز الوطن والدولة والقانون.

ولفهم ما جرى اليوم، لا يمكن فصل المشهد عن مسار طويل بدأ منذ سنوات.

ففي انتخابات 2002، قاطعت جمعية الوفاق العملية الانتخابية، ثم عادت في انتخابات 2006 وسط حالة من إعادة ترتيب النفوذ داخل الشارع، حيث تم إقصاء عدد من الأعضاء السابقين الذين خالفوا المقاطعة، لصالح ما عُرف حينها بـ«الكتلة الإيمانية»، في مشهد عكس حجم التأثير الأيديولوجي والتنظيمي على القرار السياسي داخل تلك المرحلة.

ثم جاءت انتخابات 2010، حين توسّع الحضور السياسي والتنظيمي عبر الدفع بوجوه مرتبطة بمؤسسات: خيرية، نفعية، ونقابية ومهنية،

تنتمي إلى ذات الفكر المرتبط بولاية الفقيه، في محاولة لبناء نفوذ ممتد داخل المجتمع ومؤسساته المختلفة، وليس فقط داخل الإطار السياسي التقليدي.

ومع تراكم هذا النفوذ الفكري والتنظيمي، جاءت أحداث 2011 المؤسفة وما تبعها من استقالة كتلة الوفاق من البرلمان، لتكشف حجم التداخل بين العمل السياسي والخطابات التي دفعت باتجاه الانقسام وإرباك المشهد الوطني في واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها البحرين.

واليوم، يؤكد ما كشفته وزارة الداخلية أن الخطر لم يكن سياسياً فقط، بل مشروعاً منظماً يقوم على: التخابر، التمويل الخارجي، واستغلال المنابر والمؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية للتأثير على الوعي الوطني.

الأخطر أن التنظيم -وفق ما أعلنته وزارة الداخلية- مارس إرهاباً منظّماً بحق أبناء الطائفة الشيعية أنفسهم، عبر التغرير بهم، وإرهاب المخالفين، وربط الولاء بمشاريع خارجية لا تمتّ لمصلحة البحرين بصلة.

ومن هنا يجب أن يكون الموقف واضحاً:

الدولة لم تتحرك ضد طائفة أو مكون اجتماعي، بل واجهت مشروعاً يستهدف البحرين بكل مكوناتها، ويعمل على ضرب وحدة المجتمع وإضعاف الهوية الوطنية وخلق ولاءات عابرة للوطن.

ولهذا، فإن الإجراءات التي اتخذتها الدولة لم تكن رد فعل سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية: الأمن الوطني، السلم الأهلي، ووحدة المجتمع البحريني.

فالدولة التي تسمح لمشاريع الاختراق بالتغلغل داخل المجتمع تحت أي غطاء فكري أو ديني، إنما تفتح الباب أمام الفوضى والانقسام وإضعاف الثقة بالدولة والقانون.

كما أن ما تحقق يعكس مستوى عالياً من الكفاءة واليقظة والاحترافية لدى وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية البحرينية، التي أثبتت قدرتها على كشف المخاطر قبل تحولها إلى تهديد أكبر يطال المجتمع واستقراره.

وفي المقابل، أثبت المجتمع البحريني وعيه ورفضه لأي محاولات تستهدف وحدته الوطنية أو تسعى لاستغلال الدين والطائفة لخدمة مشاريع خارجية تتجاوز الوطن ومصالحه.

فمعارك الدول الحديثة لم تعد فقط على الحدود، بل على وعي المجتمعات وهويتها الوطنية وثقتها بمؤسساتها.

- حجر الزاوية:

ما كشفته البحرين لم يكن مجرد خلية أو تنظيم عابر، بل مشروع اختراق استهدف الوعي والهوية والولاء الوطني عبر الدين والسياسة والمجتمع.

فمعارك اليوم لا تبدأ بالسلاح فقط، بل بمحاولة السيطرة على العقول وإضعاف الثقة بالدولة ووحدة المجتمع. ولهذا ستبقى وحدة البحرينيين، والثقة بمؤسسات الدولة، والوعي الوطني الرافض لأي ولاءات تتجاوز الوطن، حجر الزاوية في حماية البحرين وإفشال كل مشاريع الفتنة والانقسام.