إن أردت أن تقيس مدى حرص جهة ما على تعزيز مبدأ الشفافية، واهتمامها بالتواصل الفعال مع مختلف الفئات، وتأكيدها الفاعل على التواجد البناء، فانظر إلى كيفية تعاطيها مع وسائل الإعلام، ومتابعتها لكافة احتياجات الإعلاميين، وتزويدهم بكل ما من شأنه أن يجعل عملهم يسير بالانسيابية المطلوبة، فالعمل والتطبيق والفعلي هو خير شاهد وبرهان، وليس البرهان في الجمل الفضفاضة أو الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

حضرنا لقاءً عقده معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، معالي وزير الداخلية، دعا إليه نخبة من أبناء البحرين، من أعضاء مجلسي الشورى والنواب، والمسؤولين عن عدد من مؤسسات المجتمع المدني، وجمعاً من الزملاء الإعلاميين، وقبل أن يفتتح محاور حديثه، سأل عن التواجد الإعلامي: هل الصحفيون موجودون؟ حيث أبدى معالي الوزير حرصه على ضرورة تواجد الصحفيين، وتأكد واطمأن بأننا متواجدون، وبدأ الحديث.

الصدق والصراحة والوضوح هو ما يميز المتحدث المميز عن المتحدث العادي، ولست هنا بصدد مدح خطب وكلمات وزير الداخلية، إلا أن الواجب يقتضي الإشادة بوضوح مضامين كلامه في كل مرة نلتقيه فيها، فهو دائماً ما يستشهد بالأحداث التاريخية، ويسردها في سياق منظم ومباشر، ويسمي الأمور بمسمياتها التي لا بد منها، وهو ما يجعل مثل هذه الخطابات تأخذ صداها الذي يليق بها، ويجعلها مسموعة ومقروءة ومتداولة على نطاق واسع، والأهم، يجعلها ذات تأثير حقيقي على أرض الواقع.

ومن ضمن ما ذكره الوزير، كان هناك تأكيد على أهمية أن يكون الناس أحراراً، أي أن لا يسلموا عقولهم لأي مخلوق، وأن لا يسيروا خلف هوى الأفكار المتطرفة التي تسعى لاستغلالهم واستعمالهم وإهانتهم تحت شتى الأعذار والأسباب، كما أكد في سياق الكلام أيضاً بأن الانتماء السياسي لدى أتباع ولاية الفقيه ليس مرتبطاً بالدولة التي يعيشون فيها، بل بالولي الفقيه في إيران، يسمعون له ويطيعون في كل أمر من أمور دنياهم وآخرتهم، وهذا في واقع الأمر هو على النقيض مما يدعي البعض، بأن الولي الفقيه هو مرجع ديني في الأمور الفقهية فقط، على الرغم من معرفة العقلاء بأن هذا أمر عارٍ من الصحة تماماً، حتى قبل الأحداث الأخيرة التي مررنا بها، وإنما كانت الأحداث شاهداً إضافياً وتثبيتاً لما هو مثبت أصلاً.

استكمل الوزير حديثه وذكر نقطة مهمة وجب أن يتم التشديد والتأكيد عليها، بأن هذه الأحداث كشفت المعادن، وأبانت عما يختلج في النفوس من آراء وانتماءات وولاءات، فرقت بشكل جلي بين من اختار الذود عن وطنه بكافة السبل والوسائل، وبين من اختار أن يقف في صف أعداء هذه الأرض الطيبة، بعد أن تمكنوا من التغلغل في أعماق عقله كالورم الخبيث، ينهش فيه، ويجعله غير قادر على أن يحتكم إلى عقله، أو إلى المنطق البسيط على أقل تقدير.

أسعدنا حضور هذا اللقاء، والذي عبر فيه الحضور عن صدق الانتماء وعظيم الولاء والعرفان، وأبهجنا أن نسمع هذه الكلمات التي تسعى لبناء عقل مستنير، يبعد الناس عن براثن الجهل والتخلف، ويجعلهم في مسار الرقي والتقدم، المسار الذي تعمل عليهم القيادة الرشيدة في هذا البلد المعطاء في كل محفل، مسارٍ يجعل بناء الإنسان وحمايته في مقدمة الأوليات، وفي صدارة الخطط، على عكس ما يرمي إليه فكر الولي الفقيه وغيره من الأفكار الضالة، التي تعامل البشر كأداة صماء!