في فيلم (Munich) لستيفن سبيلبرغ، لا تبدأ الصدمة بإطلاق رصاصة ولا بانفجار، تبدأ بمشهد أكثر برودةً وأشد إيلاماً، أشخاص عاديو المظهر، يحملون جوازات سفر نظيفة، يسكنون أحياءً هادئة، يتحدثون لغة المكان بلكنته، ثم في لحظة محددة يتحولون إلى شيء آخر تماماً. سبيلبرغ لم يخترع ذلك من فراغ، إنما استلهمه من الواقع، لأن الخلايا الحقيقية لا تبدو أبداً كما تبدو في الأفلام الرديئة. وما أعلنته وزارة الداخلية البحرينية هذا الأسبوع باعتقال واحد وأربعين شخصاً مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني داخل المملكة، يؤكد هذه الحقيقة.

واحد وأربعون وجهاً، يشكّلون التنظيم الرئيسي لشبكة اخترقت، وشيدت مؤسسات دينية وخيرية واجتماعية، خلفهم أحد عشر شخصاً آخرون، يقيمون في إيران ويؤدون دور حلقة الوصل بين الحرس الثوري ووكلائه في الداخل البحريني. تنظيم حصل على تدريبات تلقاها عناصره خارج البلاد، وتمويل مالي، وجهات ارتباط تمتد نحو طهران، والدول التي تحكم قبضتها عليها. شبكة حيكت بأيدٍ إيرانية اعتادت في السابق على حياكة السجاد بصبر واحتراف، فاستثمرت هذه المهارة في حياكة شبكات التجسّس والإرهاب.

إن الكشف عن هذه الشبكة عمل استثنائي في سياق الأمن؛ فالتنظيم لم يكتفِ بالعمل في الظل السياسي، بل نفذ إلى الطبقات الأعمق من المجتمع. فعناصره عملوا على التأثير في خطب رجال الدين وتسييس المناسبات الدينية، وتوظيف المؤسسات الخيرية كغطاء للنشاط التنظيمي، وبث «ثقافة الولاء للحرس الثوري الإيراني على حساب الولاء الوطني». تنظيم وضع إعادة صياغة الهوية من الداخل، هدفاً له، وهذا هو بالضبط ما يميز هذا النوع من التهديد عن غيره. فالشبكات التي تحمل السلاح وحده، يمكن رصدها وضربها، أما الشبكات التي تحمل أفكاراً هدّامة، تزرعها في رؤوس البشر، فهذه تختلف عن غيرها؛ ولهذا تستحق الأجهزة الأمنية البحرينية كامل التقدير على ما أنجزته، ليس لأنها اعتقلت عناصر التنظيم الرئيسي فحسب، بل لأنها وصلت إلى بنية التنظيم ورسمت خريطته الكاملة، بعد تحقيقات شملت رصداً ومتابعة دقيقَين على مدى المرحلة السابقة.

إن فكر «ولاية الفقيه» قائم على التبعية السياسية المطلقة وتنفيذ أجندة أجنبية تستهدف الوطن من الداخل، والمستهدف هو المواطن البحريني أياً كان انتماؤه. ومشروع إيران الذي بنت هذه الشبكات من أجله، هو مشروع توسّع لا علاقة له بالدين، بقدر ما له علاقة بحسابات الهيمنة الإقليمية. المفارقة أن المشروع التوسّعي الإيراني استُخدم فيه الدين أداة لبناء المشروع، ليس أكثر، ودائماً تستخدم إيران مواطني الدول المستهدفة -وكثير منهم عرب- لتنفيذ أعمالها، بدعوى الحماية والرعاية داخل إطار الدين، لكنها لا تنظر إليهم كما تنظر إلى أبنائها، فهم دوماً مجرد أدوات وحواجز بشرية وأوراق قابلة للحرق في أي لحظة. فهل يفهم هؤلاء المستخدمون أنهم مجرد أدوات، وأنهم وجوه لمشروع واحد وجد في الدين قطاراً يحمل المشروع؟!