واحدة من أصدق وأشجع وأقوى الكلمات التي قيلت طوال السنوات الماضية في توصيف حالة الاختطاف الوطني والمذهبي التي مارسها النظام الإيراني، عبر أدواته ووكلائه ومنفذي فكر «الولي الفقيه»، بحق جزء كبير من الطائفة الشيعية في البحرين.
طوال تلك السنوات كانت المحاولات مستمرة لصناعة حالة هيمنة فكرية ونفسية واجتماعية، تُفرض على الناس باسم الدين، وهي في حقيقتها مشروع ولاء سياسي مرتبط بالخارج، يسعى لاختطاف القرار والصوت والانتماء.
معالي وزير الداخلية الرجل القوي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وصف واقعاً مريراً عاشه كثيرون بصمت لسنوات، في ظل مناخ من الترهيب المعنوي والوصاية الفكرية التي حاولت أن تجعل المواطن البحريني أسيراً للخوف بدلاً من أن يكون حراً في وطنه.
حين تحدث الوزير عن خطيب يخاف أن يتكلم، أو يخاف على رزقه، أو يخاف من العزل الاجتماعي إذا خرج عن الخط المرسوم له، بين أن المشكلة لم تكن يوماً في المذهب، ولا في التدين، ولا في الشعائر، ولا حتى في الاختلاف السياسي الطبيعي. المشكلة كانت في تحويل بعض المنابر والمساحات الدينية إلى أدوات نفوذ سياسي مرتبطة بالخارج، تعمل على صناعة ولاءات تضرب الولاء للوطن، وتفرض حالة من الهيمنة الفكرية الترهيبية على الناس، حتى أصبح البعض يخاف قول رأيه الحقيقي أو يعبر عن انتمائه الوطني بحرية.
لهذا كانت الجملة التالية أيضاً من أهم الرسائل التي وجهها الشيخ راشد في حديثه الارتجالي المباشر، وأعني حين قال بوضوح: «لازم الناس يحسون أنهم أحرار، ما تمارس عليهم وصاية من الخارج».
وبالفعل، هذه هي القضية الأساسية، هي المسؤولية التي أعلنت الدولة أنها ستتحملها بكل قوة، وستنفذها بكل حزم، وهي أن يشعر البحريني بأن صوته حر، وأن رأيه مصان ويُحترم، وأنه لا يعيش تحت ضغط أو خوف أو ابتزاز اجتماعي أو ديني، فقط لأنه يرفض مشروعاً سياسياً، أو يرفض ربط طائفته بالخارج.
الوزير كان واضحاً أيضاً حين تحدث عن أثر هذا الفكر على الأجيال. أجيال كانت طوال 47 سنة ضحية لعملية «اختطاف الإرادة» هذه. فترة طويلة كانت كفيلة لصناعة جيل لم يعرف إلا هذه الأجواء، ولم يرَ إلا خطاب الهيمنة والتبعية والتخويف، ولم يكبر إلا وكراهيته لوطنه تكبر معه، والتحشيد ضد إخوته في الوطن والدين يتنامى لدرجة العداوة الصريحة.
الأجيال الأكبر تتذكر جيداً كيف كانت البحرين قبل أن تدخل هذه المشاريع الخبيثة إلى المنطقة وتبدأ محاولات اختطاف المجتمعات العربية من الداخل. ولذلك نحن اليوم نتحدث عن معركة وعي وهوية وثقافة وانتماء. معركة استعادة الإنسان البحريني من أي مشروع يريد أن يحوله إلى تابع، أو ورقة، أو أداة تضرب وطنه ومكوناته.
البحرين لم تكن ضد أحد بسبب مذهبه، ولم تكن في يوم من الأيام ضد خصوصيات الناس الدينية، وهذه نقطة أكد عليها الوزير بشكل واضح. لكن البحرين أيضاً لن تقبل بأن تتحول أي طائفة أو أي منبر أو أي مساحة داخل الوطن إلى أداة نفوذ سياسي خارجي، أو منصة تستخدم لتنفيذ أجندات تتجاوز الدولة ومؤسساتها وهويتها العربية.
لهذا كان التذكير بعروبة البحرين مهماً جداً. لأن عروبة البحرين هي أساس الهوية الوطنية الجامعة، وهي الحصن الحقيقي في مواجهة كل مشاريع الاختراق والهيمنة والوصاية العابرة للحدود.
معالي الوزير أرسل رسائل واضحة، وبلهجة قوية وصارمة، إذ لا أحد يملك حق الوصاية على البحرينيين. ولا أحد يملك حق تخويف الناس أو احتكار الحديث باسم الطائفة أو الدين أو الوطنية. ولا أحد يملك أن يصادر صوت المواطن أو يفرض عليه كيف يفكر وكيف يتكلم.
بالتالي رأينا هذه الجملة القوية «شلنا الوصاية.. وخلكم أحرار في وطنكم»، جملة نعتبرها إعلاناً صريحاً وواضحاً بأن البحرين اليوم تستعيد إنسانها الوطني الحر، الإنسان الذي يتكلم بلا خوف، ويعيش بلا هيمنة فكر ضال، وينتمي لهذه الأرض الطاهرة أولاً وأخيراً.