تتجلىّ أهمية الأمن الغذائي عالمياً بشكل خاصة خلال الأزمات والحروب، حيث لا تعد مجرد قضية تنموية بل تحوّل إلى ركيزة من ركائز الأمن القومي. وقد أظهرت الأزمات أن الغذاء يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي في بعض النزاعات، باستخدام الحصار أو تعطيل الموانئ أو استهداف البنية التحتية الزراعية كوسائل لإضعاف الخصوم، ما يعكس تداخل الأمن الغذائي مع الجغرافيا السياسية والأمن العسكري.
في هذا الإطار برزت تجربة مملكة البحرين من خلال تجلّي التخطيط الاستراتيجي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتأمين حاجيات الاستهلاك اليومي للمواطنين والمقيمين في ظل الأزمات، سواء الصحية مثل كورونا أو العسكرية مثل العدوان الإيراني الآثم على سيادتها، ويمكن فهم هذا التجلي من خلال عدد من المظاهر والوقائع البارزة.
فقد كشفت تجربة البحرين في تخطّي هذه المحنة، عن نجاحها في تحقيق الأمن الغذائي طيلة تعرضها للعدوان الإيراني الغاشم، إذ حقّقت توفر جميع المواد الغذائية دون نقصان، وبدون ارتفاع أو تضخم في الأسعار، الأمر الذي ساهم بدوره في بث الطمأنينة وتوطيد الشعور بالأمان بين أفراد المجتمع.
ففي الوقت الذي استهدفت فيه الهجمات البنية التحتية وطرق الإمداد، استطاعت البحرين الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفر السلع، وهو ما يعكس جاهزية الدولة وجدارة مؤسساتها، كما يدلّ على أن الأمن الغذائي لم يكن ملفاً اقتصادياً فقط، بل هو خط دفاع أول في مواجهة الأزمات، مؤشر على قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار تحت الضّغط.
بذلك أكدت البحرين أنّ الدول الصغيرة ذات الموارد المحدودة يمكنها تحقيق قدرعالٍ أمنها الغذائي في أوقات الأزمات، إذا اعتمدت على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، وبناء مخزون احتياطي فعّال، على ضوء ما تم تنفيذه وفق التوجيهات الملكية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وتعليمات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ضمن رؤية 2030، التي ركزت على الاستدامة، والتقنيات الحديثة، ورفع نسبة الاكتفاء، ما جعل الاستجابة للمتطلبات الغذائية خلال الأزمة آمنة وأكثر فاعلية، وبذلك تحولت من دولة تعرضت لهجمات عسكرية إلى نموذج في إدارة المخاطر وتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الصمود الوطني.
كما أبرزت هذه التجربة أيضا قوة البحرين في الصمود الاقتصادي، فقد عزّزت مملكة البحرين الأمن الغذائي والأمن المعيشي ليس فقط بتأمين المعاشات في وقتها، بل بادرت بصرف الرواتب قبل موعدها على التوالي لشهري مارس وأبريل، في حين أن العديد من الدول خلال الأزمات والحروب تلجأ إلى تأخير الرواتب، وتقليص الإنفاق، وفرض قيود مالية، غير أنّ البحرين اتجهت إلى سياسة عكسية قائمة على الاستباق والدعم، إذ عملت أيضاً على دعم الأجور في القطاع الخاص لضمان عدم انقطاع دخل الأسر.
هذه المبادرة وهذا الدعم عبارة عن مؤشرات فعلية تعكس نهجاً فريداً في الحرص على استقرار مستوى معيشة المواطن وكذلك المقيم، في أي ظرف كان، وتترجم رؤية اقتصادية تجعل المواطن في قمة أولوياتها، وتعتبر أن الميزانية ليست مجرد أرقام، وحاوية استثمارية بل أداة سيادية لإدارة الأزمات، تضمن توفر المؤونة واستمرار الخدمات والدعم حتى في الظروف الاستثنائية.
لقد نجحت مملكة البحرين بفضل قيادتها الرشيدة في تحويل الاقتصاد إلى أداة استقرار داخلي، وخط دفاع غير مباشر في مواجهة الأزمات وأي اعتداءات العسكرية، كما نجحت مملكة البحرين في تقديم نموذج يفي بتحقيق الأمن الغذائي في الطوارئ، ويُبرهنُ كيف يمكن للدولة أن تُحوّل السياسات الاقتصادية في الأمن الغذائي إلى درع غير مرئي يوازي في أهميته السلاح العسكري، بل ويضمن فاعليته واستدامته.