إنَّ بين الدولةِ الرشيدةِ والتنظيمِ الولائيِّ ذي النزعةِ الفئويةِ والصبغةِ الطائفيةِ بونًا بعيدًا، وفرقًا مديدًا، ليس كفرقِ رأيٍ ورأي، ولا كاختلافِ اجتهادٍ واجتهاد، بل كفرقِ النورِ والظلمة، والسقفِ والخندق، والوطنِ وفئةِ التنظيمِ وأتباعه. فالدولةُ عقلٌ جامع، وعدلٌ نافع، وسقفٌ يظلّلُ ولا يفرّق، ويجمعُ ولا يمزّق، ويصونُ الدينَ أن يكونَ مطيّةً للسياسة، ويحمي العقيدةَ أن تُجعلَ جسرًا إلى السلطان. وأمّا التنظيمُ الولائيُّ الذي جاء به الخميني في صورةٍ ثيوقراطيةٍ مؤدلجة، فإنّه يستعملُ الدينَ مركبًا للمآرب، ويجعلُ العقيدةَ معبرًا إلى المكاسب، ويستبدلُ بهدايةِ الإيمانِ طاعةَ التنظيم، وبصفاءِ العبادةِ دهاليزَ الحزبيةِ والتحكّم، حتى يُخرجَ الدينَ من رحابةِ الهدايةِ إلى ضيقِ الولاية، ومن سكينةِ العبادةِ إلى صخبِ السياسة، وهو أبعدُ ما يكونُ عن أصولِ الدينِ الجامعِ المتسامحِ بين المسلمين، وإن اختلفت مذاهبُهم، وتنوّعت مشاربُهم، وتباعدت طرائقُهم في الفروع، ما دام أصلُهم واحدًا، وقبلتُهم واحدة، وربُّهم واحد.
فالدولةُ تُقيمُ الناسَ على ميزانِ القانون، وتجمعُهم في رحابِ الوطن، وتُظلّلهم بإنصافٍ لا يسألُ عن طائفة، ورحمةٍ لا تضيقُ بمعتقد، ومواطنةٍ لا تُفرّقُ بين دمٍ ودم، ولا بين اسمٍ واسم. وأمّا التنظيمُ الولائي، فلا يشتدُّ إلا إذا وهنتِ الدولة، ولا يتّسعُ إلا إذا ضاقَ الوطنُ في الصدور، ولا يعلو صوتُه إلا إذا غلبَ في النفسِ والضميرِ نداءُ المرشدِ البعيدِ على نداءِ الأرضِ القريبة. الدولةُ تُعلّمُ الإنسانَ أن يكونَ مواطنًا حرًّا، والتنظيمُ يُدرّبهُ أن يكونَ تابعًا مأمورًا، الدولةُ تقولُ له أنتَ شريكٌ في الوطن، والتنظيمُ يريده أداةً في مشروعه، وصوتًا في جوقته، ويدًا في خصومته، حتى إذا خالفَه أبٌ أو أم، أو أخٌ أو أخت، أو قريبٌ في البيتِ الواحدِ والأسرةِ الصغيرة، عادى فيه الرأيَ قبل أن يرى الرحم، وخاصمَ فيه الإنسانَ قبل أن يذكرَ القرابة. فالدولةُ تبني في داخله معنى الانتماء، والتنظيمُ يزرعُ فيه بذرةَ الارتيابِ من أخيه وجارِه ومجتمعِه.
ولم تكن مملكةُ البحرين يومًا أرضًا عابرةً في معنى التعايش، ولا صفحةً طارئةً في كتابِ التسامح، ولا دارًا قامت على المصادفة ثم ثبتت بالمجاملة، بل كانت منذ قيام الدولة البحرينية الحديثة عام 1783م في عهد المؤسس أحمد الفاتح، رحمه الله، يومَ أحمد صار في أوالَ خليفةً، وصارت أوالُ أمانًا وألفة، موطنَ استقرار، ومرفأَ أمان، وواحةً وارفةً يأمنُ فيها الناسُ على أرزاقِهم وشعائرِهم وكرامتِهم. ومنذ أن أشرقَ فجرُ نهضتِها الحديثة، حملَ الآباءُ المؤسسون من آل خليفة الكرام أمانةَ الحكمِ حملَ الرجالِ للعهود، وصانوها صيانةَ الذمم، وأدّوها أداءَ الرسالات، ثم تلقّاها من بعدهم أبناؤهم الكرام جيلًا بعد جيل، فحفظوا العهد، وأقاموا النهج، ومضوا بالوطنِ من طورٍ إلى طور، ومن بناءٍ إلى بناء، حتى ترسّخَ في مملكة البحرين معنى الدولةِ الجامعة، لا الدولةِ الغالبة، ومعنى القيادةِ الحاضنة، لا القيادةِ الفارقة، ومعنى الوطنِ الذي يتّسعُ لأبنائه، لا الحزبِ والتنظيمِ الذي يضيقُ بمخالفيه. وكان خيرُ البحرين لأبنائها جميعًا، لا يُحبسُ على فئة، ولا يُمنعُ عن طائفة، ولا يُوزنُ بميزانِ العصبية، بل بميزانِ المواطنةِ والحقِّ والإنصاف.
وقد تجلّى هذا الامتدادُ في أبهى صوره، وأصفى معانيه، في عهدِ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ الملكِ حمد بن عيسى آل خليفة، ملكِ البلادِ المعظم، حفظه الله ورعاه، ويسيرُ على نهجِه، ويحملُ رؤاه الجامعةَ من مقامِ التوجيهِ إلى ميدانِ الأثرِ والبناءِ والتنفيذ، صاحبُ السموِّ الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، إذ غدت مملكةُ البحرين، بقيادتِها الحكيمة، مثالًا للدولةِ التي بنت فأحسنت، وأنجزت فأثمرت، وأزهرت فازدهرت، وظلّت حاضنةً لكلِّ أبنائها، لا تُفرّقُ بينهم في الفرصِ والعطاء، ولا في الحقوقِ والواجبات، ولا في مقامِ المواطنةِ الحقّة. فهي دولةٌ لا تجعلُ المواطنَ رقمًا في السجلّ، بل كرامةً في الرعاية، وحقًّا في القانون، وشريكًا في البناء، وابنًا في الوطن.
كما أن مملكة البحرين أبصرتِ الفتنةَ قبل أن تستطيل، وقرأتِ العواقبَ قبل أن تنزل، ونظرت إلى تجاربِ الأممِ لا نظرَ المتفرّجِ الذاهل، بل نظرَ القيادةِ البصيرة، التي تعلمُ أن الأوطانَ لا تُصابُ في يومٍ واحد، ولا يداخلُها الوهنُ فجأةً بلا مقدّمات، وإنما يبدأُ الضعفُ همسًا قبل أن يصيرَ صراخًا، ويدخلُ الخللُ خيطًا قبل أن يصيرَ حبلًا، حين يتسرّبُ الولاءُ لغيرها إلى بعضِ أبنائها، وحين يدخلُ التنظيمُ من بابِ المذهب، ثم يخرجُ من بابِ السياسة، ثم يعودُ من نافذةِ السلاحِ والتحريض. وقد جنّبت هذه الحكمةُ مملكةَ البحرين ما تعرّضت له دولٌ عربية، حين تغلغلت فيها أحزابٌ لا ترى الوطنَ غاية، ولا السيادةَ حرمة، ولا الأخوّةَ الوطنيةَ عقدًا جامعًا، بل ترى المرشدَ ونهجَه مقدّمًا على الدولةِ وسيادتِها، والتنظيمَ فوق القانون، والطاعةَ العابرةَ للحدودِ فوق المواطنةِ الراسخةِ في الأرض.
وانظر إلى حالِ الشعوبِ إذا تمكّنَ فيها الولاءُ للخارج، تجدِ الدولةَ تضعفُ وإن بقيَ اسمُها، والسيادةَ تتآكلُ وإن بقيَ علمُها، والمؤسساتِ تُختطفُ وإن بقيت أبوابُها مفتوحة. فهناك لا يعودُ القرارُ الوطنيُّ صادرًا عن مصلحةِ الناس، بل واردًا من مكاتبِ التنظيم، ولا يعودُ المالُ العامُّ والخاصُّ طريقًا إلى مدرسةٍ ومستشفى وفرصةِ عمل، ولا موردًا لعمرانٍ ورخاءٍ وكرامة، بل معبرًا إلى نفوذٍ وسلاحٍ وشبكاتِ تعبئة. تُجبى الأموالُ باسمِ العقيدة، وتُستنزفُ الجيوبُ باسمِ الولاء، ثم تُصدّرُ إلى الخارجِ لتغذيةِ سلطةِ التنظيمِ الخمينيِّ وأذرعِه، بينما يبقى الناسُ في ضيقِ المعاش، وشحِّ الخدمات، وانكسارِ الأمل. فلا ازدهارَ ينعكسُ على الفقير، ولا عمرانَ ينتفعُ به المواطن، ولا كرامةَ يلمسُها العاملُ والكادح، وإنما وكلاءُ ما يُسمّى بالوليِّ الفقيه يزدادون غنى، والمنضوون تحتهم يزدادون فقرًا، وشعاراتٌ تعلو في المنابر، وبيوتٌ تئنُّ تحت الحاجة. وهكذا يكونُ التنظيمُ إذا تمكّن، يُغني من يمثّله، ويُفقرُ من يتبعه، ويجعلُ الوطنَ خزانًا لمشروعِه، لا مشروعًا لأهلِه، ومزرعةً لنفوذِه، لا دارًا لمواطنيه.
وأمّا الدولةُ الرشيدة، فإنها لا تجعلُ الوطنيةَ لفظًا يُقال، ولا شعارًا يُرفع، بل تجعلُها مظلّةً تُظلّلُ الجميع، وعدلًا يُنصفُ الجميع، وقانونًا يحمي الجميع. فهي تبثُّ المحبةَ بثَّ الغيثِ في الأرضِ الظامئة، وتنشرُ التراحمَ نشرَ الضياءِ في الليلةِ المظلمة، وتُشيعُ التعايشَ والتسامحَ حتى يكونَ اختلافُ الناسِ اختلافَ تنوّعٍ لا تنازع، وتعدّدَ شعائرَ لا تعدّدَ أوطان. وهي تُجرّمُ التفرقةَ والعنصرية، وتحاربُ الطائفيةَ والتحزّبَ الفئوي، وتحمي حريةَ الممارسةِ الدينية، وتصونُ للمواطنِ حقَّه في العبادةِ كما تصونُ له حقَّه في الأمنِ والكرامة. ذلك أن الدولةَ تعلمُ أن الدينَ إذا بقي في مقامِ الهدايةِ كان رحمة، وإذا اختطفتْه التنظيماتُ صار فتنة، وأنّ المذهبَ إذا بقي في رحابِ الفقهِ والعبادةِ كان سكينة، وإذا زُجَّ به في أتونِ التحزيبِ صار وقودًا للصراع. ثم إن الدولةَ لا تكتفي بالحمايةِ والمنع، بل تُعلّمُ وتبني، وتوظّفُ وترعى، وتفتحُ أبوابَ العملِ والعيشِ الكريم، حتى يشعرَ المواطنُ أن وطنَه يدٌ تمتدُّ إليه بالعون، وسقفٌ يأوي إليه عند الخوف، لا سوطٌ يُرفعُ عليه باسمِ التنظيمِ وأتباعه.
وهنا يجبُ أن يُقالَ ويُكرَّر، بوضوحٍ جليٍّ لا لبسَ فيه، وبيانٍ ناصعٍ لا غموضَ معه، حتى لا يُؤوَّل هذا الكلامُ النابعُ من المحبةِ للجميع، بعيدًا عن انتمائهم المذهبي، وهي حريةٌ أصيلةٌ للفردِ تحميها الدولةُ وتصونُها، إنّ المذهبَ الجعفريَّ أعرقُ من الخمينيِّ وفكرِه، وأوسعُ من تنظيمِه وحزبِه، وأطهرُ من أن يُختزلَ في مشروعٍ سياسيٍّ عابر، فهو مذهبٌ له عمقٌ تاريخي، وجذورٌ متأصلة، وتراثٌ فقهيٌّ وعلميٌّ سابقٌ على الثورةِ والتنظيمِ والولايةِ السياسيةِ بقرون. عاشَ أتباعُه في أوطانِهم، وبنوا مع إخوانِهم، وتاجروا وتجاوروا وتزاوجوا وتعاشروا، ولم يكونوا يومًا بحاجةٍ إلى فكرٍ وافدٍ يُعلّمُهم معنى الدين، أو تنظيمٍ عابرٍ للحدودِ يشرحُ لهم معنى الانتماء. وإنما جاء الفكرُ الخمينيُّ الولائي فحاولَ أن ينتزعَ المذهبَ من سعةِ الفقهِ إلى ضيقِ الحزب، ومن نورِ العبادةِ إلى ظلمةِ التعبئة، ومن أخوّةِ الوطنِ إلى خصومةِ التنظيم، حتى صارَ من يعارضُه من رحمِ المذهبِ نفسِه يُخوَّنُ ويُحارَبُ وتُستباحُ سمعتُه، وفي ما تعرّض له فضيلةُ الشيخ سليمان المدني، رحمه الله، مثالٌ شاهد، ودليلٌ حاضر. وسيبقى المذهبُ الجعفريُّ سامقًا في سماءِ الإسلامِ بفقهِه وتراثِه وأهلِه، بعد أن يزولَ الفكرُ الخمينيُّ السياسيُّ كما زالتْ قبله أفكارٌ ملأتِ الدنيا صخبًا، ثم طواها الزمنُ طيَّ الصحائف. فأين اليومَ ما ظنَّ أتباعُ كارل ماركس أنّه قدرُ البشريةِ ونهايةُ التاريخ؟ إنّ ما قامَ على الغلوِّ والخصومةِ والارتهانِ للخارجِ فلا بدّ أن ينكشفَ ولو طالَ زمنُه، حتى وإن تزخرفَ بالشعار، لأنّ الحقَّ حقٌّ وإن حورب، والباطلَ باطلٌ وإن أُدلِج.
وهكذا يبقى الفرقُ بيّنًا بين دولةٍ تُشيّدُ بالعدلِ والمحبة، وتنظيمٍ يهدمُ المجتمعاتِ بالكراهيةِ والفرقة، وبين وطنٍ يحتضنُ أبناءَه جميعًا، ومشروعٍ لا يرى الناسَ إلا أتباعًا، ولا يرى البلادَ إلا ساحةً لنفوذِه، ولا يسمعُ في ضميرِه نداءً أعلى من نداءِ المرشد، ولو خالفَ الوطنَ والحقَّ والإنسان.