لقد اختُطِفَت الطائفة الشيعية في مملكة البحرين قبل أكثر من 47 سنة، ومورس تجاهها الكثير من الإرهاب الفكري والتنمر المجتمعي، ولم يكن الاختطاف يقتصر فقط على محاولة انتزاع الشيعي البحريني من هويته الوطنية البحرينية الأصيلة وتحويله من شريك فعّال في بناء البحرين إلى أداة لمشروع عابر للحدود، إنما اختُطِفَ من المأتم والمسجد والأحياء التي كان يتداخل فيها الشيعي مع السني وكافة مكونات المجتمع البحريني.

لقد كان تصريح معالي وزير الداخلية حفظه الله خلال لقائه الأخير بنخب مجتمعية ورؤساء المآتم واضحاً وصريحاً، ويحمل انتصاراً لهذا التاريخ الكبير الذي حاول تشويهه أصحاب الأفكار المؤدلجة وتحريف مساره وتشويه صورة وسمعة البحرين، حين أكد أن الطائفة الشيعية مكوّن أصيل في ماضي وحاضر ومستقبل البحرين، وأن شيعة البحرين أقدم من ولاية الفقيه، وكانت لهم مرجعياتهم وتاريخهم الوطني العريق، وهذه الرسالة في غاية الأهمية؛ لأنها تؤكد أن المعركة ليست مع الطائفة الشيعية، ولم تكن يوماً كذلك، بل مع مشروع سياسي متطرف حاول احتكار تمثيل الشيعة واختطافهم لصالح أجندة خارجية عدائية.

البحرين اليوم تخوض معركة سيادة وهوية وطنية، وهي حين تواجه التنظيمات المرتبطة بإيران، فإنها تدافع عن كل البحرينيين سنة وشيعة، وتحمي فكرة الدولة المدنية التي تقوم على القانون والمواطنة والشراكة الوطنية، فالصواريخ والمسيّرات الإيرانية عندما تستهدف أمن البحرين الداخلي، وتسقط على المنشآت المدنية، هي لا تسقط بناءً على تقسيم مذهبي وهذا سني، وذاك شيعي، إنما تستهدف جميع البحرينيين؛ ولذلك فإن أكثر من انتصر من هذه الإجراءات التي تقوم بها وزارة الداخلية مشكورة حالياً هم شيعة البحرين الوطنيين الذين عانوا طويلاً من الإرهاب الفكري والتهديدات والنبذ المجتمعي في حال خروج صوت شيعي حر وعاقل ينتقد تسييس المنابر، ويرفض أعمال الشغب والعنف والتآمر مع الخارج، ويدعو إلى أهمية حفظ السلم الأهلي وما تعرّضوا له أصحاب هذه الأصوات الحرة من محاولات الترهيب والتخوين كان؛ لأنهم فقط أحبوا وطنهم، ورفضوا أن يكونوا أدوات في مشروع لا يشبه البحرين ولا أهلها ولا تاريخها كما حصل مع الشيخ سليمان المدني رحمه الله.

إن قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وتأسيس ما يُسمّى بولاية الفقيه، ذلك المشروع المتطرف في المنطقة وكسلطة سياسية بديلة واجبة الطاعة وإلزامية التبعية لها بدل المرجعيات الدينية العربية المعتدلة، كانت بداية مرحلة جديدة من محاولات السيطرة على الوعي الشيعي وتحوير بعض الأحكام والفتاوى فيها بحيث تتقدم على سلطة الوطن نفسه. وهنا بدأت معاناة شيعة مملكة البحرين الحقيقية مع هذه التنظيمات المتطرفة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، والتي حاولت اختراق المجتمع البحريني عبر الشعارات الدينية والخطابات العاطفية، مستغلة حب الناس لدينهم ومذهبهم من أجل تمرير مشروع سياسي خطير يستهدف الدولة وهويتها العربية الخليجية.

فعلى مدى عقود طويلة عاش الكثير من شيعة البحرين تحت ضغط فكري واجتماعي هائل وترهيب وتهديدات وضغوطات، فمن يرفض هذا المشروع يتم تخوينه واتهامه والتشكيك بولائه المذهبي، بل وصل الأمر إلى تخوين ضد كل من يتمسّك بهويته البحرينية، ويرفض ربط الطائفة الشيعية بأجندات خارجية، وأن الولاء يجب أن يكون للبحرين وقيادتها، وليس لأي جهة خارجية، ووصفه بأبشع الصفات ومحاربته.

إن مملكة البحرين في الإجراءات الأمنية الحازمة التي تتخذها اليوم ضد أتباع هذه التنظيمات والخلايا المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، هي لا تستهدف الطائفة الشيعية كما يحاول البعض الترويج لذلك في حملات إعلامية وإلكترونية ممنهجة، بل تنتصر لها وتحررها من سنوات طويلة من الاختطاف الفكري والسياسي؛ فالدولة، حين تحارب من يحاول جر الشيعي البحريني إلى مستنقع الولاءات الخارجية والإرهاب والإجرام، فهي تحمي الشيعي الوطني الشريف الذي يريد أن يعيش بكرامة داخل وطن آمن مستقر لا تحكمه الميليشيات ولا الأفكار العابرة للحدود.