كلمة معالي وزير الداخلية فتحت الباب أمام أصوات بحرينية ظلت لسنوات طويلة خائفة، صامتة، محاصرة تحت سطوة الترهيب الفكري والتنظيمي الذي مورس باسم "ولاية الفقيه" وباسم الدين والمذهب زوراً وبهتاناً.

منذ تلك الكلمة، وصلتني رسائل عديدة من شباب بحرينيين من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. وبصراحة، لم أكن أتخيل حجم الرعب الذي عاشه هؤلاء الشباب داخل بعض المناطق والبيئات التي سيطرت عليها جماعات الولاء للمرشد الإيراني.

قصص تقشعر لها الأبدان، وحكايات عن تخوين وترهيب وعزل اجتماعي، وعن مصادرة كاملة لحق الإنسان في أن يكون وطنياً بحرينياً دون أن يُتهم بالخيانة أو العمالة أو الخروج عن المذهب والدين.

تخيلوا فقط، شاب يرفع علم البحرين على منزله فيُتّهم فوراً بأنه "عميل"! شاب يقول: "أنا مع وطني" فيُنبذ وكأنه ارتكب جريمة! شاب يرفض التخريب والحرق والفوضى فيُصوَّر على أنه خائن!

خائن لمن؟! هل أصبح حب البحرين خيانة؟! هل صار الدفاع عن الوطن تهمة؟!

المعادلة التي فرضها وكلاء الولي الفقيه في بعض المناطق كانت معادلة مقلوبة بشكل مرعب، لكي تكون "مخلصاً" في نظرهم، يجب أن تكون تابعاً أعمى للمرشد الإيراني، وأن تخضع فكرياً وسياسياً لمنظومة لا ترى البحرين وطناً، بل ساحة نفوذ ومشروعاً تابعاً لحلم "تصدير الثورة".

وهنا بيت القصيد؛ إذ ما حدث في بعض المناطق لم يكن إطلاقاً اختلافاً سياسياً أو مذهبياً، بل محاولة لخلق نموذج يشبه تماماً نموذج الخميني بعد الثورة الإيرانية.

حينما وصل الخميني إلى الحكم، بدأ فوراً بتأسيس الحرس الثوري وتفريعاته مثل "الباسيج"، ثم شرع في تصفية كل صوت حر. سُجن المعارضون، أُعدم المخالفون، وتمت تصفية حتى الأحزاب التي ساعدت الثورة ضد الشاه، مثل حزب "تودة" و"مجاهدي خلق". كل من رفض حكم "الولي الفقيه" أُلصقت به تهمة العمالة والخيانة.

هذا النموذج نفسه حاول وكلاء الخامنئي تصديره إلى البحرين. خلقوا بيئات مغلقة، ومارسوا الترهيب باسم الدين، وحوّلوا بعض المنابر والجمعيات إلى أدوات تعبئة سياسية، لا حديث فيها عن الأخلاق والقيم والدين، بل عن التخوين والتسقيط والكراهية والتحريض واستعداء المجتمع ضد بلده.

المشكلة ليست في أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، فهم جزء أصيل من هذا الوطن، وتاريخهم الوطني معروف ومشرّف، لكن المشكلة في من اختطف صوتهم وحاول احتكار تمثيلهم، وفي من مارس عليهم الإرهاب الفكري والنفسي والاجتماعي حتى جعل كثيراً من الشباب يعيشون حالة خوف من مجرد التعبير عن حبهم للبحرين.

اليوم، وبعد كلمة وزير الداخلية، بدأ هذا الجدار يتصدّع. بدأ الشباب البحرينيون وغيرهم يتكلمون. بدؤوا يشعرون أن الدولة تسمعهم وتحميهم. بدؤوا يتحرّرون من الخوف.

والله إن القصص التي وصلتني تجعل الإنسان يدرك حجم الكارثة التي كانت تُدار في الظل. كنا نعتقد أن الوضع سيئ، لكن الحقيقة كانت أسوأ بكثير مما نتخيل.

هناك من عاش سنوات وهو يخاف أن يُظهر وطنيته. هناك من صودرت إرادته بالكامل. هناك من تعرّض للنبذ فقط لأنه رفض أن يكون أداة في مشروع خارجي.

لهذا فإن المهمة اليوم ليست أمنية فقط، بل فكرية ووطنية وإنسانية أيضاً.

نحن أمام معركة تحرير عقول، وإنقاذ البحرينيين من قبضة خطاب استغل الدين والمذهب لخدمة مشروع سياسي خارجي. المناطق البحرينية ذات الامتداد الشيعي يجب أن تعود مناطق يعلو فيها صوت البحرين، لا صوت المرشد الإيراني. يجب أن يعود فيها الانتماء للوطن أمراً طبيعياً، لا تهمة تستوجب التخوين.

لا يمكن أن يبقى الوضع مقلوباً، الذي يحب البحرين يُتهم بالخيانة، والذي يرفع صور المرشد الإيراني ويبرّر الاعتداء على وطنه يُصوَّر على أنه "حر" و"صاحب مبادئ"! أي منطق هذا؟!

اليوم البحرين أمام فرصة تاريخية. فرصة لإعادة الاعتبار للصوت الوطني الشيعي الحر. فرصة لتحرير الناس من الخوف. فرصة لإسقاط هيمنة الفكر الولائي الذي أراد اختطاف الطائفة واستخدامها كوقود محرقة لمشاريع خارجية.

شكراً لمعالي وزير الداخلية على كلمته الواضحة والحاسمة، هي كانت رسالة طمأنة لكل بحريني خائف ومتردّد. رسالة بأن الدولة تقف مع مواطنيها وتحميهم وتحمي حقهم في أن يكون ولاؤهم لوطنهم دون خوف أو ترهيب.

البحرين اليوم مسؤولة أخلاقياً ووطنياً عن حماية هذا الصوت الوطني الحر، وعن ضمان ألا تقوم مرة أخرى أي سطوة فكرية أو تنظيمية أو ولائية تُرهب الناس باسم الدين أو المذهب أو السياسة.

هذه الأرض بحرينية، وهذا الوطن للجميع، ولن تقوم بإذن الله قائمة لمشروع يريد اختطاف البحرين أو كسر إرادة أهلها، أو يستغل مذاهبهم.