خطاب جلالة الملك في الأول من مايو تُرجِمَ بأداتين: الأولى الإجراءات الحاسمة الفريدة من نوعها والمتمثلة بالقبض على جميع وكلاء إيران بمن فيهم من لبس العمامة، ثم لحقه فوراً حديث وزير الداخلية معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة الذي شرح التوجّه المستقبلي للسياسة البحرينية.

نحن أمام محددات جديدة تماماً للسياسة الداخلية والخارجية البحرينية، تشكّل منعطفاً كبيراً وهاماً في الموقف البحريني، وفيها تحويل مسار يؤكد على ثوابت ويفاضل بين متغيرات.

أكدت البحرين من خلال راسم السياسة جلالة الملك حفظه الله، ثم من خلال منفذها وزير الداخلية، حيث أكدت تلك السياسة بأن الحريات الدينية في مملكة البحرين ثابت لا يتغير، وأن رعاية الطائفة الشيعية في البحرين جزء لا يتجزأ في سياسة الحكم، منذ أن فُتحت البحرين على يد الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة (الفاتح) إلى يومنا هذا، حيث كانت الممارسات للمعتقدات المذهبية تجري تحت حماية المظلة الخليفية منذ ذلك الوقت، تُحترم الخصوصية المذهبية وتُقدّر، ولا يحتاج شيعة البحرين راعياً غير دولته وقياداته.

أما المفاضلات التي تغيّرت، فهي في قطع دابر تيار دخل على البحرين منذ الثمانينات، لم يكن موجوداً ولم يكن معروفاً حينهاً، ولم تكن له سطوة، ولم تتضح امتداداته الخارجية وخطورتها. أُعطي كامل الحرية من قِبل الدولة، وتُرك ليتمدّد، حتى حين أدركت الدولة خطورته لم تمسسه، تركته، مادامت تلك الخطورة تحت السيطرة الأمنية، ومنع ضررها مقدوراً عليه.

ما الذي تغيّر إذاً؟

ما تغيّر أن إيران، الدولة الأجنبية الراعية لهذا التيار، لم تكتفِ بما فعلته طوال الخمسين عاماً الماضية من تجنيد للشباب وتحريضهم وإفساد مستقبلهم، ومن تهريبٍ للمتفجرات ومن تمويلٍ للإرهاب، بل أعلنت الحرب على البحرين صراحة، فأطلقت عليها صواريخها ومسيّراتها، ولم يكتفِ تيارها في البحرين بالوقوف صامتاً، بل أعلن دعمه لدولة الإرهاب، وهنا كانت الضربة القاصمة التي قطعت شعرة معاوية التي كانت بين ذلك التيار والدولة، لا بين السلطة والدولة، بين الشعب البحريني كله وبين ذلك التيار.

القبض على الوكلاء والأتباع والشبكات، وقطع مصادر التمويل، وتشديد الإجراءات تجاه من يظهر أي نوع من أنواع الولاء لتلك الدولة بأي شكل متدثّر بالدين أو غيره، يواجَه بحزم أمني غير مسبوق، هذا هو أحد أهم المتغيرات.

ما يحدث هو اجتثاث لخطر كان يسكن قاع هذا الوطن ويتحين الفرصة لطعنها، ولم يتردّد حين جاء اليوم الموعود.

ما فعلته مملكة البحرين منذ الأول من مايو إلى اليوم هو أقل ما يجوز لها كدولة لها الحق في حفظ أمنها، وعليها مسؤولية الحفاظ على أمن مواطنيها، فضربت بيد من حديد على أي تهديد يمسّ وجودها وأمنها وسلامة مواطنيها.

التأييد الشعبي الشامل الذي حظيت به هذه السياسة، التي رسم خطها جلالة الملك ونفّذتها وزارة الداخلية، سببه الشعور بالنجاة، الشعور بالخلاص، الشعور بالأمن عند المواطنين سنةً وشيعةً، الشعور بالفرح بالتنفس بعد أن شعروا بالخوف للجرأة غير المسبوقة في تحدي الدولة، حتى ظن وكلاء إيران أن الدولة غير موجودة، تصح عليهم: "مدهم في طغيانهم يعمهون" ثم جاءت كلمة الفصل التي حسمت الموضوع وأنهت عقوداً من المداراة ومحاولات الاحتضان.

البحرين بعد مايو 2026 تعود لوضعها الأصلي، شيعة وسنة تحت راية الدولة، شيعة وسنة دون تدخل أجنبي، شيعة دون وصاية من وكلاء إيران ودون خوف أو تهديد منهم.

من بعد مايو 2026 لا تحريض يومي على الدولة، لا تحشيد وتجييش يتضاعف في المناسبات الدينية، حتى ظن المعزون أن رجال الأمن هم جنود في جيش يزيد!

ما بعد مايو 2026 زال السيف المسلّط على رقاب الشيعة، والذي ألزمهم بمعاداة الدولة ومحاربتها وكأنها عدوتهم، زال السيف المسلّط الذي كان يهدّد من يشذ عن أوامرهم وتوجيهاتهم.

البحرينيون أمام فرصة ذهبية، اغتنامها واجب، فقد اتخذت الدولة إجراءاتها القانونية على رؤوس الفتنة لا على وقودها كما كانت تفعل في السابق، وهذا هو المتغيّر الثاني، على المنبع لا على المصب. كلما أدرك هذا المتغيّر سكان القرى التي كانت تحت سيطرة تلك الرؤوس، كلما عدنا للزمن الجميل وزمن الطيبين، وعدنا لما كان عليه آباؤنا وأجدادنا من تلاحم.

من المهم جداً أن يدرك الخائف من ذلك التنظيم وذلك التيار أن البحرين ليست وحدها في هذا التوجّه، فكل الدول العربية التي عانت من خدم إيران تتخلص من آثارهم، من لبنان إلى سوريا، والعراق قادم بإذن الله، والأخبار تبشّر بذلك قريباً، والأهم أن دول مجلس التعاون كلها تقف صفاً واحداً وتعمل على ذات التوجّه. لا مكان لأي مظهر أو صورة من صور المرجعيات الدينية الإيرانية، القرار خليجي بالإجماع، وشيعة الخليج هم جزء لا يتجزأ من شعوب الخليج، فمن ظن منهم أن إيران كانت له راعياً أو حامياً فعليه أن يراجع نفسه، ويعود لأصله، ويعود لحضنه وعمقه الطبيعي، مع الأخذ في الاعتبار أنه باقٍ على تشيعه وباقٍ على معتقداته دون مساس، إنما دون تبعية لمرجعية إيرانية.

كلما أدرك مقلّدو الولي الفقيه أن البحرين بعد مايو 2026 تختلف تماماً عن البحرين التي كانت عليه عام 1979 حين دخلت علينا نظرية الولي الفقيه، خلّص نفسه من قيد التبعية المُذلة وسَلِم، وسَلِمت البحرين معه، وسَلِم أبناؤه وأجداده، وعاش معزّزاً مكرّماً في وطنه.

لذلك انتهى الزمن الذي كان فيه البحريني يخاف من بعبع الفقيه وبلطجيته ويقول: (ما ننوس) إن سُئل عن رأيه.