إن ما تحقق من نتائج نوعية لمجلس التنمية الاقتصادية خلال عام 2025 يقدّم مدخلاً مهماً لفهم ملامح الاقتصاد البحريني اليوم، ويُقرأ بوصفه إنجازاً وطنياً ورصيداً اقتصادياً يعزز ثقة المملكة في مواجهة المتغيرات الراهنة، لا سيما في ظل تداعيات العدوان الإيراني الآثم. فقد استقطبت البحرين استثمارات مباشرة محلية وإقليمية وعالمية قياسية بلغت 942 مليون دينار بحريني، عبر 107 مشاريع استثمارية متنوعة. ومن المتوقع أن تسهم هذه الاستثمارات في خلق أكثر من 5800 فرصة عمل جديدة خلال ثلاث سنوات. وهنا لا تقف دلالة الأرقام عند حدود الاستثمار، بل تمتد إلى قدرة الاقتصاد الوطني على حماية مكتسباته، ومواصلة جذب المشاريع النوعية، وتطويع الضغوط لفتح آفاق جديدة للنمو والتنمية.
وفي هذا السياق، يتجلّى حرص صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، على ترسيخ فلسفة تنموية تجعل المواطن محور التخطيط وغاية التنفيذ، بحيث لا تُقاس جدوى المبادرات الاقتصادية بحجم الاستثمارات المستقطبة فقط، بل بقدرتها على خلق فرص نوعية ومستدامة لأبناء الوطن. فالتنمية في الرؤية البحرينية مسار وطني متكامل يربط النمو بالإنتاجية، والاستثمار بتمكين الكفاءات، والبرامج الاقتصادية بالأثر المباشر في حياة الناس. ومن هنا تتضح القيمة الأعمق لهذا المسار، حين يُفهم في إطار رؤية تضع المواطن في قلب الأولويات، وتتعامل مع الاستثمار بوصفه مساراً لتعزيز الاستقرار الاجتماعي وترسيخ الازدهار الوطني المستدام.
وتأتي هذه المعطيات ضمن نهج اقتصادي راسخ يقوم على التنوع والانفتاح، ويمضي في تنفيذ خطط وبرامج تنموية تعزز النمو المستدام وتدعم تنافسية المملكة. فالبحرين لا تراهن على قطاع واحد، بل تبني شبكة من القطاعات المتكاملة، بما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التوازن، ويجعل النمو أكثر ارتباطاً بالإنتاجية والمعرفة والابتكار.
وتزداد أهمية هذا النهج حين يُقرأ في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات اقتصادية وأمنية، إذ يعكس قدرة البحرين على الحفاظ على زخمها التنموي، ومواصلة انفتاحها التجاري والاستثماري بثقة واستقرار. فالتبادل التجاري بين البحرين والاتحاد الأوروبي، الذي بلغ نحو 4.2 مليارات دولار، يؤكد عمق الشراكات الاقتصادية التي بنتها المملكة، وقدرتها على توسيع علاقاتها مع الأسواق الدولية. كما يبرز قطاع الألمنيوم والصناعات التحويلية دليلًا على قدرة المملكة على تحويل إمكاناتها الصناعية الوطنية إلى قوة تصديرية مؤثرة، بما يعزز مكانة البحرين الاقتصادية والتجارية الموثوقة في المنطقة.
ولا تنفصل هذه الصورة عن الروح الوطنية الجامعة التي تتحرك بها مؤسسات الدولة ضمن فريق البحرين الواحد؛ فتكامل الجهود بين الحكومة، ومجلس التنمية الاقتصادية، والقطاع الخاص، والمؤسسات الداعمة مثل صندوق العمل «تمكين»، يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وحماية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، واستدامة الأعمال والوظائف. وتأتي حزمة المنح والتمويلات التي أقرها «تمكين» لدعم أكثر من 7 آلاف شركة بحرينية مثالًا عمليًا على جاهزية البحرين في حماية بيئة الأعمال، ودعم السيولة، وترسيخ الثقة. غير أن اكتمال الأثر يظل مرتبطاً بتقدّم القطاع الخاص إلى موقع أكثر فاعلية في توليد المبادرات، ورفع الإنتاجية، واستقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة، بما يحوّل الدعم من معالجة ظرفية إلى طاقة إنتاجية مستدامة، ويؤكد أهمية مواصلة البناء على هذه الجهود الوطنية للحفاظ على الزخم التنموي، وترسيخ تحويل التحديات إلى فرص كنهج مستدام في إدارة الاقتصاد الوطني.
إن البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وبمتابعة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، لا تمضي في مسار اقتصادي ينتظر الفرص، بل يصنعها. وبين تنويع القاعدة الإنتاجية، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وتعزيز الشراكات الدولية، وتمكين المواطن، تتشكل ملامح مرحلة بحرينية واعدة؛ مرحلة تؤكد أن التحديات، مهما تعاظمت، يمكن أن تتحول، بالإرادة والعمل المؤسسي والثقة الوطنية، إلى فرص تعزز المسيرة التنموية الشاملة للوطن.