كثيراً ما يثور في ذهني تساؤل عميق: لماذا تنهض دولٌ رغم محدودية مواردها، وتتعثر أخرى رغم ما تملكه من مال وإمكانات؟ ولماذا تخرج شعوبٌ من الأزمات أكثر تماسكًا، بينما تنزلق غيرها إلى الفوضى والانقسام؟ ومع التأمل في تجارب المجتمعات، يتضح أن سر النهضة لا يكمن في الثروة وحدها، بل في ثقافة الإنسان، ومستوى وعيه بمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه.
وقد يتصور البعض أن الثقافة تعني شهادة جامعية أو لقباً أكاديمياً، غير أن هذا التصور يضيّق معنى الثقافة ويحصرها في إطار لا يكشف حقيقتها، فليس كل متعلم مثقفاً، وليس قليل التعليم بعيداً عن الحكمة، فالثقافة هي الأثر الذي تتركه الكتب في أخلاقنا، وفي طريقة حديثنا، وقدرتنا على احترام من يخالفنا.
وبهذا المعنى، فإن الثقافة ليست حبيسة المكتبات، ولا تقف عند قاعات المحاضرات، بل هي سلوكٌ يُرى في تفاصيل الحياة اليومية، في أبٍ يغرس الصدق في أبنائه، وموظف يؤدي عمله بأمانة، وشاب يحترم النظام في الطريق، ومواطن لا يفرح بأزمة وطنه، ولا يجعل اختلافه مع غيره سبباً للكراهية، فهذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها هي التي تصنع مجتمعاً واسع الوعي، قادراً على حماية نفسه من الداخل.
ولهذا استطاعت بعض الدول، رغم محدودية مواردها، أن تصنع من الثقافة والعلم والعمل قوةً للتقدم، لأنها رفعت قيمة الانضباط، واحترمت الوقت، وشجعت التفكير والنقد والإبداع، وبنت إنساناً يرى نفسه جزءاً من الحل، وفي المقابل، قد تمتلك شعوب أخرى موارد واسعة، لكنها تتعثر حين تضعف فيها ثقافة المسؤولية، وتغيب عنها روح المبادرة، ويعلو فيها صوت التعصب أو الفوضى.
ولعل تجربة دول مجلس التعاون الخليجي تقدم مثالاً واضحاً على أن الموارد الطبيعية، مهما بلغت قيمتها، لا تتحول إلى نهضة ما لم تُدار برؤية، وتسندها ثقافة مجتمعية تؤمن بالاستقرار والعمل، فالنفط والغاز موجودان في دول كثيرة، غير أن الفارق تصنعه قدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى تعليم، وبنية تحتية، وفرص تنمية.
وكما تظهر قيمة الثقافة في بناء الدول وتنمية مواردها، فإنها تظهر بصورة أوضح عند الأزمات، فالأزمة هي أبرز اختبار لقوة الوعي، فهناك مجتمعات تواجه الشدة بالتكاتف، والشائعة بالعقل، والاختلاف بالحوار، وهناك مجتمعات سرعان ما تتصدع، لأن ثقافة القانون والثقة والمسؤولية لم تكن راسخة بما يكفي.
إن الثقافة التي تحمي الدولة تتطلب وعياً يتراكم في البيوت والمدارس والمساجد ووسائل الإعلام، فحين يصبح الحوار أسلوباً، واحترام القانون قناعة، تتحول الثقافة إلى قوة تحفظ المجتمع من التفكك، وتمنحه قدرة أكبر على الأمن والاستقرار، ولذلك، فإن الحديث عن الثقافة يعد حديثاً عن مستقبل الأبناء، وأمان البيوت، واستقرار الأوطان، إذ ينبغي أن يستشعر كل مواطن أن دوره، مهما بدا بسيطاً، إنما هو لبنةٌ في بناء كبير تتماسك به المجتمعات، وتنهض به الأوطان.