في كل صيف، تعود بي الذاكرة إلى عام 2010، حين انطلقت مدينة الشباب 2030 بمبادرة من سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، لتشكل واحدة من أبرز المبادرات الوطنية الهادفة إلى اكتشاف طاقات الشباب وتمكينهم وتأهيلهم، عبر منظومة متكاملة من البرامج التدريبية والأنشطة النوعية.
وعامًا بعد عام، كنت أتابع التطور الذي تشهده مدينة الشباب 2030، سواء من حيث تنوع البرامج، وجودة المحتوى، والأفكار المتجددة التي تحرص في كل نسخة على مواكبة احتياجات الشباب ومتطلبات المستقبل، مع الحفاظ على الهدف الذي انطلقت من أجله، وهو الاستثمار في الإنسان.
وهذا العام، وبعد ستة عشر عاماً على انطلاقتها الأولى، سنحت لي الفرصة لزيارة المدينة في مركز البحرين العالمي للمعارض، لأكتشف أن المشروع لم يعد مجرد فعالية صيفية، بل تحول إلى منصة وطنية لصناعة الفرص وبناء المستقبل.
أثناء تجولي بين أروقة المدينة، لفت انتباهي أن كل ركن يحكي قصة مختلفة؛ هنا أطفال يتعلمون البرمجة والذكاء الاصطناعي، وعلى مقربة منهم شباب يناقشون أفكاراً لمشروعات ريادية، بينما كانت ورش الإعلام والفنون والرياضة تعج بالحركة والحماس، لم يكن المشهد مجرد برامج تدريبية، بل لوحة متكاملة تعكس حجم الرهان على الشباب، وإيماناً حقيقياً بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأهم.
أكثر ما لفتني أن مدينة الشباب 2030 لم تعد تكتفي بتقديم دورات تدريبية تقليدية، بل أصبحت تواكب التحولات التي يشهدها العالم، وتفتح أمام الشباب أبواباً جديدة نحو التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى، وريادة الأعمال، وغيرها من المهارات التي أصبحت تشكل لغة المستقبل، وهو ما يمنح المشاركين فرصة حقيقية لاكتشاف قدراتهم، وربما رسم ملامح مسارهم المهني. وخلال الزيارة، كنت أراقب وجوه المشاركين أكثر من متابعتي للبرامج؛ كان الحماس ينعكس في أعينهم، والثقة في طرحهم للأسئلة، والإصرار على التجربة والتعلم، في تلك اللحظة أدركت أن النجاح الحقيقي لمدينة الشباب يقاس بحجم الأحلام التي تزرعها في نفوس الشباب، والثقة التي تمنحهم إياها ليؤمنوا بأن المستقبل يمكن أن يبدأ من هنا. بعد ستة عشر عاماً من انطلاقتها، لم تعد مدينة الشباب 2030 مجرد موعد صيفي، بل تحولت إلى مشروع وطني يصنع الأثر.
وعندما غادرت المكان، استعدت تلك الصورة الأولى التي احتفظت بها في ذاكرتي منذ عام 2010، لأجد أن الفكرة أصبحت أكثر نضوجاً وقدرة على ملامسة احتياجات الشباب وطموحاتهم، لذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن مدينة الشباب 2030، أنها لا تصنع برامج صيفية بل تصنع مستقبلاً، وتمنح الشباب فرصة حقيقية ليكتشفوا أنفسهم، ويؤمنوا بأن أحلامهم تستحق أن تبدأ بخطوة.