إن تأكيد الكلمة الملكية السامية التي ألقاها حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم عند حضور تمرين "درع البحرين" والتي كشف فيها "تجاهل إيران لما يُفترض أن يجمعنا بها من رابطة دينية، وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية التي أكسبت حضارتها عمقاً روحياً وإنسانياً ومعرفياً بعد عصور من الضلال". تعيد هيكلة الصراع برمته. حيث لم يعد الأمر مجرد نزاع عسكري ، بل تحول إلى أزمة أعمق تتمثل في تنكر جلي للذاكرة الروحية والمعرفية التي انتشلت تلك المنطقة ذات يوم من ظلمات الانغلاق إلى نور الإنسانية. هذا الطرح يضع دعاة الاعتداءات والحرب على الجيران أمام مرآة تاريخية تكشف التزييف والخروج عن تعاليم الاسلام السمحة، وتبين أن العدوان والتصعيد المستمر ما هما إلا نتيجة حتمية لنسيان الفضل الحضاري وانقطاع التواصل الحقيقي مع قيم الإسلام السمحاء التي تقوم بطبيعتها على العيش المشترك واحترام الجوار.
إن هذا التحليل الاستراتيجي الفريد الذي تبناه جلالة الملك المعظم في كلمته السامية جاء ليرسخ مفهوم "الدبلوماسية التاريخية"، ويؤكد أن من يتنكر لعمق الرسالة المحمدية التي صنعت حضارته، يسهل عليه تماماً إشعال الحروب وتوسيع دوائر النزاع على حساب أمن واستقرار شعوب المنطقة.
لقد استندت الكلمة إلى حجة دامغة لا تقبل التشكيك، وهي أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالصواريخ والمسيرات، بل بالعودة إلى نصاب الأخوة الإسلامية الحقة والالتزام بعهود حسن الجوار. وبذلك، فإن الكلمة الملكية السامية تذكر الجميع بالمسؤولية التاريخية، وتكشف في الوقت نفسه التناقض البنيوي في العقل السياسي الإيراني.
لقد أشادت الكلمة الملكية السامية بالمشروع الحضاري لدول مجلس التعاون الخليجي، والذي صار نموذجاً عالمياً في التنمية والعمران والازدهار، لأن مجلس التعاون لدول الخليج العربية قدم نموذجاً فريداً ومستداماً في بناء الأوطان، حيث تتسابق الدول الأعضاء لترسيخ دعائم التنمية الحضارية وحماية المكتسبات البشرية والعمرانية، وأن هذه المنظومة الواعدة لا تبني مجتمعاتها بمعزل عن قيم السلام، بل تتخذ من التكاتف والتلاحم ركيزة أساسية للارتقاء بجودة الحياة والازدهار المشترك. في المقابل، تقف السياسة الإيرانية على نقيض تام من هذا النهج الحضاري، إذ تصر على تصدير الأزمات، وتوسيع دوائر النزاع، واستهداف استقرار المنطقة بالصواريخ والمسيرات والتصعيد غير المبرر، مما يعكس هوة ساحقة بين رؤية خليجية تبني الإنسان والعمران، وأجندة إقليمية تهدم الاستقرار وتستنزف الطاقات في صراعات لا طائل من ورائها.
إن هذا التباين الصارخ يجلّيه بوضوح السلوك الإيراني الذي يتجاهل قواعد العيش المشترك، لتصدق بحقه القاعدة الاستراتيجية: إن من ينسى فضل التاريخ والرسالة، يسهل عليه تدمير الجغرافيا وحسن الجوار. لذلك فإن الكلمة السامية تذكر إيران بقيم الأخوة الإسلامية الحقة وروابط التاريخ والجغرافيا التي تجمعها بمحيطها العربي، حتى لا تفقد بوصلة الحكمة، وتتحول إلى مصدر تهديد مستمر للممرات الحيوية والأمن الإقليمي.
لقد جاءت الكلمة لتؤكد رسالة أساسية هي أن المنظومة الخليجية تواصل التصدي لهذا العدوان بكل اقتدار، مبرهنة أن وحدتها وتلاحم صفوفها والالتزام بقيم الإسلام والعيش المشترك هي الأسس القادرة على حماية مكتسبات شعوبها، وصون حاضرها ومستقبلها من كل استهداف عسكري وسياسي.
* دكتوراه في الإعلام الرقمي