إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، قرر فجأة تنصيب نفسه معلماً في التاريخ والدين والسياسة وحقوق الإنسان!

بقائي، المولود في 1975، تحدث عن البحرين وعن تصريحات ملكنا الغالي، ملكنا الذي بدأ ارتباطه ببناء مؤسسات الدولة ومشروع تأسيس قوة دفاع البحرين منذ عام 1968، وكل هذا قبل أن يولد بقائي نفسه.

أمامنا موظف يمثل وزارة خارجية قرر استخدام لغة تتجاوز حدود موقعه، في حين هو يحتاج العودة قليلاً إلى تاريخ العلاقات بين البحرين وإيران، ليعرف أن التوتر لم يبدأ مع جمهورية الخميني، فالمطالبات الإيرانية كانت قائمة في عهد الشاه، قبل أن يفشلها البحرينيون. لكن ما تغير بعد ثورة 1979 كان أخطر. النظام الذي أسسه الخميني أضاف إلى الصراع السياسي والأطماع الإقليمية بُعداً أيديولوجياً ودينياً، وأصبح الخطاب المذهبي هو خطاب جمهوريته، وأداتهم لسلخ ولاء المواطنين بعيداً عن أوطانهم.

من هنا كان بناء دولة قوية ومؤسسات أمنية ودفاعية راسخة، ضرورة بحرينية بحتة، والتاريخ أثبت ذلك بقوة، وأكد الاستشراف الحكيم لملكنا الغالي حفظه الله، وهاهي قوة دفاع البحرين تصد كل اعتداء إيراني آثم.

أما حين ينتقل بقائي للحديث عن حقوق الإنسان، فهنا المضحك؛ إذ قبل أن ترفع إصبعك تجاه البحرين، عليك وضع تقارير المنظمات الدولية عن جمهوريتك أمامك وتخبرنا عنها! وهنا ولنستعرض غيضاً من فيض، يتناساه بقائي عن جرائم نظامه الدموي.

منظمة العفو الدولية، وثقت منذ 1988 موجة إعدامات سياسية واسعة في إيران، وقالت إن الأدلة على عمليات الإعدام الجماعية لا تقبل الجدل. وفي 1989 أعلنت المنظمة تسجيلها أسماء أكثر من 1700 شخص أعدموا سياسياً بين نهاية يوليو 1988 وبداية 1989.

والأمر لا ينتمي إلى الماضي وحده؛ ففي تقريرها المنشور عام 2026 عن عقوبة الإعدام خلال 2025، قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية أعدمت 2159 شخصاً خلال عام واحد فقط، كما قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن وضع حقوق الإنسان في إيران ازداد تدهوراً، وتحدثت عن الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة والاضطهاد والتعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري.

فبأي رصيد أخلاقي يريد بقائي إعطاء البحرين دروساً في حقوق الإنسان؟! فليطالب حكومته أولاً بفتح أبواب السجون ومراكز الاحتجاز أمام آليات الرقابة الدولية المستقلة دون عوائق. هيومن رايتس ووتش طالبت صراحة بالسماح لبعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بالدخول غير المقيد إلى إيران، بما في ذلك السجون ومراكز الاحتجاز، وهذا ما ترفضه إيران دائماً. طبق ذلك على جمهوريتك، بعدها يا بقائي حدث الآخرين عن حقوق الإنسان.

أما محاولة موظف الخارجية تحويل حديث جلالة الملك عن الإسلام والرسالة المحمدية إلى مادة للسجال، فهي تكشف تعمده المقصود تجاهل جوهر الرسالة. فحين يتحدث الملك حمد عن الإسلام، فهو يتحدث عن أخلاق الإسلام في علاقة المسلم بالمسلم والجار بجاره. لكن ما آلم بقائي بشدة، أن ملكنا بيّن أخلاقيات الإسلام الحقيقية بشكل يفضح من يستغل الإسلام، ملكنا أكد أن الإسلام ليس مشروعاً لتصدير الثورة. والإسلام ليس مذهباً يوظف لتحريض أبناء دولة على دولتهم. والإسلام ليس غطاء لأطماع سياسية أو تدخلات إقليمية. والإسلام لا يعطي نظاماً سياسياً حق احتكار الدين، ثم توزيع شهادات التدين والوطنية على شعوب المنطقة وفقاً لمصالحه. وهذه هي الثوابت التي حاول بقائي تغييبها حتى لا يستوعبها الآخرون، ويدركوا حقيقة الأكاذيب الإيرانية.

عندما يذكرهم الملك حمد بالرسالة المحمدية، فهو يذكرهم بمعيار ديني أخلاقي يفترض أن يكون أعلى من الحسابات السياسية والمذهبية، أن يكون الجار سنداً لجاره لا مصدر تهديد له، وأن تكون رابطة الإسلام جسراً للتعايش لا أداة للتدخل والتحريض.

بقائي، إذا كنت تريد الحديث عن التاريخ، فاقرأه كاملاً. وإذا كنت تريد الحديث عن حقوق الإنسان، فابدأ بالسجون والإعدامات والمحاكمات في بلدك، واقرأ تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة قبل أن تعطي الآخرين دروساً. وإذا كنت تريد الحديث عن الإسلام، فتذكر أن الإسلام أخلاق، وليس شعاراً سياسياً، وأن حسن الجوار واحترام سيادة الآخرين أقرب إلى جوهر الرسالة المحمدية من استخدام الدين والمذهب في صراعات النفوذ.

والأهم، إذا أردت مخاطبة ملك البحرين، فتذكر أبسط قواعد الدبلوماسية، وهي أن تعرف مقام من تخاطب، تذكر قبل أن تتحدث أنك تخاطب الملك حمد بن عيسى آل خليفة؛ ملكنا وقائدنا الذي بنى مؤسسات وطنه منذ ستينيات القرن الماضي، وقاد البحرين في واحد من أكثر أقاليم العالم اضطراباً، وحافظ عليها في مواجهة عقود من التحديات.

البحرين لا تحتاج شهادة من إسماعيل بقائي ومَن هم على شاكلته، على عروبتها، ولا على إسلامها، ولا على استقلالية دولتها. هذه أرض عرفت هويتها، واختار أهلها دولتهم، وبنوها مع قيادتهم جيلاً بعد جيل.

أما الجغرافيا فقد جعلت إيران جاراً للبحرين. وكان الأجدر بمَن يتحدث باسم خارجيتها أن يعمل كي يكون هذا الجار جاراً تحترمه شعوب الخليج، لا نظاماً لا تأمنه بسبب سياساته وغدره. تلك المسألة الحقيقية التي ينبغي لبقائي أن يناقشها مع نفسه ومع حكومته قبل أن يقرر مرة أخرى إعطاء دروس في التاريخ أو الإسلام أو حقوق الإنسان.

تخيلوا، كل هذا التشنج من جانبهم فقط لأن ملكنا الغالي ذكرهم بالإسلام ومبادئه وأخلاقه وسماحته، وهو ما يثبت كلامنا الدائم بأن الفارق واضح بين مَن يؤمن بالدين، ويعمل بروحه وتعاليمه، وبين من يستغله كأداة ويرتديه كرداء، فقط ليسلب نواصي البشر وإرادتهم.

مشكلة البعض أنه يرى في مناطحة الجبل شهرة، ولكنه ينسى بأن الجبل ثابت لا يهتز أمام الصغار، وهذا هو ملكنا العظيم حمد بن عيسى حفظه الله، ومعه أبناء شعبه المخلصين الذين يفدون تراب البحرين بأغلى الأثمان.