في هذه الأيام، تبدو البحرينُ وكأنها تعيشُ عيدًا من نوعٍ آخر. فموسمُ التخرّجِ ليس مجردَ مناسبةٍ تعليمية، بل هو موسمُ فرحٍ وطنيٍّ واسع، تتسعُ له البيوتُ والشوارعُ والقلوب. في كلِّ منزلٍ حكايةُ نجاح، وفي كلِّ أسرةٍ نبضُ انتظارٍ طويلٍ انتهى بلحظةٍ من الفخرِ الخالص.
هناك آباءٌ يتأملون أبناءَهم اليومَ فيتذكرون سنواتٍ طويلةً من التعبِ والسهرِ والحرصِ والدعاء. وهناك أمهاتٌ تلمعُ الدموعُ في أعينهنَّ وهنَّ يشاهدن أبناءَهنَّ وبناتِهنَّ يعبرونَ نحوَ منصةِ التخرّج، وكأنَّ سنواتِ العمرِ كلَّها تمرُّ أمامهنَّ في لحظةٍ واحدة؛ من أولِ يومٍ دراسي، إلى أولِ حقيبةٍ صغيرة، إلى هذه اللحظةِ التي يقفُ فيها الابنُ أو الابنةُ مرفوعَي الرأسِ يحملانِ ثمرةَ الجهدِ والكفاح.
وحينَ يُنادى اسمُ الخريجِ أو الخريجة، لا ينهضُ شخصٌ واحدٌ فقط، بل تنهضُ معهُ أحلامُ أسرةٍ كاملة. يصفّقُ الأبُ بقلبِه قبلَ يديه، وتزهو الأمُّ وكأنها هي التي نالت الشهادة، وتعلو ابتساماتُ الإخوةِ والأخوات، لأنَّ النجاحَ الحقيقيَّ لا يصنعهُ فردٌ وحده، بل تصنعهُ أسرةٌ آمنتْ به ووقفتْ خلفه حتى بلغَ هذه اللحظة.
لكنَّ الفرحَ لا يتوقفُ عند حدودِ البيت. فالبحرينُ أيضًا لها نصيبُها من هذا الفخر. كيف لا، وهي التي احتضنتْ أبناءَها بالمدارسِ والجامعات، وفتحتْ أمامهم أبوابَ العلمِ والمعرفة، ومنحتْهم الأمنَ والاستقرارَ ليكبروا ويحلموا ويحققوا أحلامَهم؟ ولهذا فإنَّ كلَّ شهادةٍ تُرفعُ اليومَ هي ثمرةٌ من ثمارِ وطنٍ آمنَ بأبنائِه فآمنوا به.
ولعلَّ أجملَ ما في هذا المشهدِ أنَّ هؤلاءِ الخريجينَ والخريجاتِ يعبّرونَ عن حبِّهم لوطنِهم بطريقتِهم الخاصة؛ فهم لا يرفعونَ شعاراتٍ ولا يكتفونَ بالكلمات، بل يقدّمونَ للبحرينِ أجملَ ما يملكون: التفوّق، والتميّز، والعلم، والطموح، وكأنَّ كلَّ شهادةٍ يحملونها هي توقيعٌ جديدٌ على وثيقةِ الولاءِ والانتماءِ، وكلَّ نجاحٍ يحققونه هو وعدٌ بأن يبقى عطاؤهم لوطنِهم أكبرَ من أحلامِهم الشخصية.
لذلكَ يحقُّ للبحرينِ اليومَ أن تفرح، ويحقُّ للآباءِ والأمهاتِ أن يفخروا، ويحقُّ للخريجينَ والخريجاتِ أن يحتفلوا بما صنعتهُ أيديهم؛ فهناك، على منصّاتِ التخرّج، لا تُوزَّعُ الشهاداتُ فقط، بل تُرفعُ رؤوسُ الأُسرِ فخرًا، ويزهو الوطنُ بأبنائِه، ويوقّعُ جيلٌ جديدٌ عهدَه للبحرينِ بأجملِ توقيعٍ يمكنُ أن يُكتب: توقيعُ العلمِ والإنجازِ والإخلاص.
فمباركٌ للخريجينَ والخريجاتِ هذا الإنجاز، ومباركٌ للبحرينِ أبناءُها وبناتُها الذين يردّونَ جميلَ الوطنِ بالعلمِ والتفوّق، ويوقّعونَ على منصّاتِ التخرّجِ أجملَ عهود الولاء والانتماء