أحمد جعفر

عندما صرح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأنه سيتعامل مع إيران بهدوء، في الوقت الذي تتعرض فيه طهران لضغوطات اقتصادية هائلة، بدا وكأنه أخيراً فهم كيفية تفكير العقل الفارسي.

مسؤول أمريكي صرح لموقع «أكسيوس» قائلاً إن ترامب يميل الآن لزيادة الضغوطات الاقتصادية واستمرار فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية دون اللجوء لخيار القوة العسكرية التقليدية.

وأكد ترامب أن إيران «في وضع اقتصادي سيء للغاية» وهي لا تملك المال لدفع رواتب جنودها، موضحاً أن الحصار الأمريكي فاقم الأزمة الاقتصادية للنظام.

ولطالما أتقنت إيران لعبة الوقت في أي مفاوضات تدخلها مع الولايات المتحدة، وهي التي قال ترامب إنها لم تخسر مفاوضات يوماً، حيث يعمل العقل الإيراني على استنزاف الطرف الآخر من خلال الشد والجذب ورفع السقف وإضافة شروط جديدة، علاوة على نكث العهود السابقة.

كل ذلك يأتي لإرهاق الطرف الآخر وإجباره على تقديم تنازلات جوهرية من خلال الزج به فيما يشبه مسلسلاً مكسيكياً من الاجتماعات أغلبها عديمة القيمة.

إن المشهد اليوم في ملف مضيق هرمز يقدم أنموذجاً واضحاً لهذا الأسلوب الإيراني من خلال وضع طهران شروطاً جديدة حتى تكف يدها عن مهاجمة السفن التجارية المدنية؛ فبدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات مع سلطنة عُمان لإعادة الملاحة، طرحت إيران شروطاً إضافية تعجيزية تشمل رفع العقوبات والحصار والإفراج عن الأموال المجمدة، بل وحتى التعويض عن شن الحرب في مبالغة لتقدير قوتها.

وقبل أسبوع واحد كانت واشنطن تلوح مجدداً بإمكانية العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران، بما يشمل ضرب منشآت الطاقة، وهي عمليات لن تحرز على الأرجح نتيجة مع نظام عقائدي آيديولوجي لا يعرف حسابات الربح والخسارة كما يعرفها أي بلد طبيعي.

ومع ذلك، فإن ترامب سلك مساراً مختلفاً عندما لجأ إلى الهدوء والعزف على وتر الوقت من خلال تعزيز العقوبات والحصار وزيادة الضغط على اقتصاد البلاد المنهار أصلاً قبل الحرب والانتظار لما ستؤول إليه الأمور.

وهنا، تبدأ المعادلة بالانقلاب على إيران نفسها على افتراض أن لديها قدرة أكبر على الاحتمال، وأن تعطيل الملاحة والطاقة سيجعل كلفة الحرب ترتفع تدريجياً على الولايات المتحدة وحلفائها حتى تصبح التنازلات أقل كلفة من استمرار الأزمة.

لكن الساعة بالنسبة لطهران ستختلف الآن إذا ما كانت الولايات المتحدة تخوض ذات المسار: الوقت والصبر الاستراتيجي بانتظار انهيار كامل للاقتصاد.

لذلك، فإن إيران التي طالما راهنت على تحويل الصراع إلى مسابقة قدرة على الصمود والتحمل ستجد نفسها اليوم أمام ذات الاختبار الذي حاولت أن تقدمه لخصمها، مما يجعل من الحرب الآن معلقة في انتظار من يصرخ أولاً.

ومع خروج نحو 8 مليون برميل نفط يوميًا من مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي المحاذي لسلطة عُمان، يمكن لترامب أن يضبط سعر الوقود للمستهلك الأمريكي عند مستوى مقبول إلى حد ما قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، مما يزيح عنه جزء كبير من الضغوطات ويسمح له باللعب على الوقت لأطول فترة ممكنة.

بعبارة أخرى، لم يعد ترامب مضطرًا لأن يكون أول من يصرخ في هذا الصراع طالما تستطيع واشنطن أن تبقي الحصار والعقوبات وتحافظ على تدفق مقبول من الطاقة وتجنب حرب عسكرية قد تستنزف مخزون الذخائر لديها لمستويات خطيرة.

وفي الناحية المقابلة، كل يوم يمر يعني بالنسبة لإيران يعني مزيد من الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً من العقوبات والحرب والتضخم وفقدان عائدات النفط، بالإضافة لسوء الإدارة والفساد.

علاوة على ذلك، فإن الهدوء سيكون أكثر إيلامًا لطهران التي لن تتمكن من استخدام الحرب كذريعة لانهيار الاقتصاد والخدمات العامة، مما قد يفتح باب انتفاضة شعبية جديدة.

ولأن الدول لا تسقط في يوم وليلة، بل سقوطها يكون أشبه بسقوط أحجار الدومينو، يبقى سؤال المليون: كم من الوقت تستطيع إيران أن تصمد؟!