منذ بدأ الحديث عن المفاوضات بين النظام الإيراني والولايات المتحدة وإجراء أولى الجولات بالفعل، بان واضحاً أن هناك تصدعاً آخذاً في التنامي في الداخل الإيراني، وتحديداً في مواقع صناعة القرار.
ورغم أننا في دول الخليج العربي وبحسب ما تعرضنا له من هجمات جنونية واسعة وكبيرة العدد من صواريخ ومسيرات النظام الإيراني، نرى أن هذا التصدع لا يغير من المعادلة الأساسية شيئاً؛ فالنظام الإيراني بحمائمه وصقوره (مع سخف هذا التوصيف) يجتمعون كلهم على كره بلداننا وإضمار الشر لها.
لكن بالفعل المؤشرات من طهران تكشف عن تباين واضح داخل القيادة. معسكر يقوده الرئيس مسعود بزشكيان يرى أن الاقتصاد الإيراني يقترب من مرحلة شديدة الخطورة، وأن الوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لم يعد خياراً سياسياً يمكن تأجيله، بل ضرورة لتجنب المزيد من الانهيار الاقتصادي. وفي المقابل، يقف معسكر أكثر تشدداً داخل المؤسسة العسكرية والحرس الثوري رافضاً تقديم تنازلات يعتبرها تراجعاً أمام الضغط الأمريكي.
حينما بدأت المفاوضات، كان التطلع بشأن قدرة الرئيس بزشكيان ووزير خارجيته عراقجي العودة إلى طهران باتفاق يقبله الحرس الثوري؟! وهذا السؤال مازال مطروحاً طالما هناك «أمل» للمفاوضات.
لكن التعيينات الأمنية والعسكرية الأخيرة تزيد السؤال أهمية. فوجود شخصيات ذات جذور عميقة في الحرس داخل دوائر صناعة القرار يعني أن المؤسسة العسكرية لم تتراجع إلى الخلف، بل مازالت في قلب عملية تحديد مستقبل إيران.
هذا لا يعني بالضرورة أن الحرب أصبحت حتمية. على العكس، قد تكون الولايات المتحدة قد اختارت في هذه المرحلة سلاحاً أكثر تأثيراً من الصواريخ، وأتحدث هنا عن الوقت والاقتصاد. فبدلاً من الاندفاع نحو مواجهة عسكرية شاملة قد تعيد توحيد الإيرانيين خلف النظام، تستطيع واشنطن مواصلة الضغط الاقتصادي وترك الأزمة تتفاعل في الداخل. عندها تتحول المعادلة من مواجهة بين «إيران وأمريكا» إلى خلاف إيراني داخلي حول تكلفة استمرار المواجهة.
هذا ربما يكون أخطر ما يواجه النظام؛ إذ هل يستطيع الاقتصاد والمجتمع والدولة تحمل جولات أخرى؟!أما الحرس الثوري، فلا أتوقع أن يتخلى فجأة عن لغة القوة والتهديد أو عن عقيدته التي بنى عليها نفوذه طوال عقود. بل ربما نشهد مزيداً من التصعيد كلما اقتربت المفاوضات الجدية، في محاولة لإظهار أن إيران تتفاوض من موقع قوة وليس تحت الضغط.
لكن المشكلة أن لعبة حافة الهاوية لها نهاية. فإذا وصلت القيادة العسكرية إلى قناعة بأن استمرار المواجهة أصبح يهدد بقاء النظام نفسه، فقد يحدث التحول الكبير، بمعنى أن يتراجع الحرس خطوة إلى الخلف، ويسمح للقيادة السياسية بالتفاوض على تسوية تحفظ النظام ولو تطلبت تنازلات مؤلمة.
أما إذا بقيت قناعة الحرس الثوري بأن واشنطن لن تذهب إلى النهاية، وأن بإمكان إيران تحمل العقوبات ومواصلة التصعيد وتحريك أذرعها وتهديد الملاحة ودول المنطقة، فإن احتمالات المواجهة العسكرية الكبرى ستزداد.
لذلك لا أعتقد أننا وصلنا بعد إلى «نقطة الصفر» التي يصبح عندها سقوط النظام أو الحرب الشاملة أمراً محسوماً. لكننا بالتأكيد اقتربنا من «نقطة القرار». والقرار هذه المرة لن يصنعه بزشكيان أو عراقجي وحدهما.
لربما الأسابيع القادمة تكشف لنا ما إذا كان هذا الحرس الثوري سيقتنع أن إنقاذ النظام الإيراني أصبح أهم من استمرار مشروع المواجهة؟! أم أن التشدد سيزيد خاصة في دخول رئيس سابق للحرس الثوري وأحد أكبر الشخصيات المتشددة محسن رضائي إلى قلب منظومة اتخاذ القرار الأمني بعد تعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران.
إذا كانت إجابة الجانب العسكري الإيراني المتشددة بـ«نعم»، فقد نكون أمام بداية تسوية تاريخية، وكثيرون يشكون في هذا السيناريو، بالتالي إن كانت الإجابة النهائية بـ«لا»، فالجولة القادمة ستكون أخطر بكثير مما شهدناه حتى الآن.