منذ الدقيقة الأولى لانطلاق معسكر «قدها جونيور» التدريبي الأول للناشئة، الذي يقام بتوجيه من سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة مستشار الأمن الوطني قائد الحرس الملكي، كانت ملامح التميز واضحة، والفكرة أبعد بكثير من مجرد برنامج صيفي يقضي فيه الأبناء ساعات من يومهم.
من الساعة 8:45 صباحاً تبدأ التجربة، ومع الدخول تبدأ معها قواعد الالتزام والانضباط، ليعيش الأطفال والمراهقون حتى الثانية ظهراً ساعات مختلفة، يتعلمون خلالها بالممارسة ما قد يصعب أن تنقله إليهم الكتب والدروس النظرية وحدها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية «قدها جونيور»؛ فهو يقدم المواطنة على أرض الواقع، يتعرف أبناؤنا عن قرب إلى معنى الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي، ويعيشون جانباً من طبيعة الحياة العسكرية وما تقوم عليه من التزام وجدية وتحمل للمسؤولية، والأهم أنهم يتعلمون ماذا يعني أن يحب الإنسان وطنه، وأن يكون مستعداً لخدمته والدفاع عن أرضه ومكتسباته.
خلال ساعات قليلة، يكتسب المشاركون سلوكيات وقيماً قد نحتاج إلى أشهر من الشرح والدروس لترسيخها في أذهانهم، فالطفل هنا لا يسمع عن الانضباط فقط، بل يمارسه، ولا يقرأ عن المسؤولية، بل يتحملها، ولا يتلقى درساً نظرياً عن العمل الجماعي، بل يصبح جزءاً من فريق عليه أن يتعاون معه ويلتزم بقواعده.
من الحضور في الوقت المحدد، إلى التقيد بالتعليمات، واحترام قائد المجموعة، وتنفيذ المهام والعمل ضمن الفريق، تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تبني في شخصية الناشئ مفاهيم كبيرة سترافقه في حياته، أن لكل مكان نظاماً، ولكل مسؤولية واجبات، وأن النجاح لا يأتي دون التزام وصبر وعمل.
والأهم أن المعسكر ينقل مفهوم المواطنة من دائرة الشعارات إلى السلوك والممارسة، فحب الوطن لا يختصر في كلمات نرددها، بل يظهر في احترام النظام، والمحافظة على مكتسباته، وتحمل المسؤولية، وخدمة المجتمع، وإدراك أن لكل فرد دوراً في حماية وطنه والإسهام في بنائه.
وهذا النوع من البرامج هو ما نحتاج إلى التوسع فيه، خصوصاً خلال الإجازة الصيفيةـ فأبناؤنا يعيشون اليوم وسط عالم مفتوح وشاشات ومحتوى إلكتروني لا يتوقف، وأصبح من الضروري أن نقدم لهم تجارب حقيقية تعيدهم إلى الواقع، وتضعهم أمام تحديات تكشف قدراتهم وتصقل شخصياتهم.
وما يميز «قدها جونيور» أنه لا يملأ وقت الفراغ فحسب، وإنما يستثمر هذا الوقت في الإنسان نفسه؛ في شخصيته وسلوكه وشعوره بالمسؤولية وانتمائه إلى وطنه.
قد ينتهي يوم المعسكر في ساعات الظهيرة، لكن ما يحمله الطفل معه إلى المنزل لا ينتهي بانتهاء ساعات التدريب. يعود بقصة وتجربة وموقف، وربما بعادة جديدة أو مفهوم مختلف للالتزام والمسؤولية.
فالمواطنة ليست درساً يحفظ للامتحان ثم ينسى، والانضباط ليس أوامر تردد، والمسؤولية لا تزرع بالكلمات وحدها، هناك قيم لا تترسخ إلا عندما نعيشها.
وهذه هي الرسالة الأجمل في «قدها جونيور»: أن نعلم أبناءنا المواطنة بأن يعيشوها، وأن نبني فيهم المسؤولية بأن نمنحهم فرصة ممارستها، وأن نجعل حب الوطن سلوكاً يومياً قبل أن يكون كلمات.
فشكراً لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة على هذه التجربة الاستثنائية والثرية التي منحت لأبنائنا؛ تجربة تبني فيهم قيماً، وتصقل
شخصياتهم، وتغرس في نفوسهم معنى الانضباط والمسؤولية والانتماء.
فهكذا تبنى الأجيال، وهكذا يصبح حب الوطن ممارسة وسلوكاً ومسؤولية.