د. سهير بنت سند المهندي

في الخامس من يونيو من كل عام، يتوقف العالم عند محطة مهمة تحمل اسم «اليوم العالمي للبيئة»، باعتباره دعوة متجددة لمراجعة علاقة الإنسان ببيئته ومسؤوليته تجاه الأجيال القادمة. وفي هذا العام، تأتي هذه المناسبة لتؤكد أن مملكة البحرين لم تعد مجرد مشارك في الجهود البيئية العالمية، بل أصبحت نموذجاً وطنياً وإقليمياً في تحويل الالتزامات المناخية إلى خطط ومشاريع وإنجازات ملموسة.

فإعلان سمو الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة، الممثل الشخصي لجلالة الملك المعظم رئيس المجلس الأعلى للبيئة، عن تقديم «تقرير الشفافية لفترة السنتين» (BTR) إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إلى جانب تقديم المساهمة الوطنية الثالثة للمملكة حتى عام 2035، يعكس مرحلة متقدمة من العمل المؤسسي الذي يقوم على التخطيط والقياس والشفافية، وهي عناصر أصبحت معياراً عالمياً للحكم على جدية الدول في التعامل مع التحديات المناخية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تؤكد أن البحرين لا تكتفي بإعلان التوجهات، بل تعمل على توثيق الإنجازات وقياس النتائج ومشاركة المجتمع الدولي بما تحقق على أرض الواقع، فالتقرير يستعرض مستوى التقدم في خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، في انسجام مع التزامات اتفاق باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة.

ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها نجاح المملكة في إنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة عبر «الجرد الوطني للغازات الدفيئة»، وهو مشروع استراتيجي يوفر معلومات دقيقة تساعد صناع القرار على رسم السياسات البيئية وفق أسس علمية، فالعالم اليوم لا يقيس النجاح بالشعارات، بل بقدرة الدول على امتلاك البيانات وتحويلها إلى خطط وبرامج قابلة للتنفيذ.

كما تتجسد الرؤية البحرينية في المشاريع المنبثقة عن الخطة الوطنية الاستثمارية للتكيف مع تغير المناخ، والتي تشمل قطاعات حيوية كالمياه والزراعة والمباني الخضراء، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والأمن المائي وجودة الحياة، ما يجعل العمل المناخي استثماراً في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في البيئة.

وعلى مدى السنوات الماضية، أطلقت المملكة العديد من المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة البيئية، والتوسع في المساحات الخضراء، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتطوير التشريعات البيئية، وتبني مفاهيم الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة، بما يعزز مكانتها ضمن الدول الساعية إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية.

ولعل ما يميز التجربة البحرينية أنها لم تنظر إلى البيئة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن التنمية، بل جعلتها جزءاً من رؤيتها الوطنية الشاملة. ومن هنا أصبحت المملكة نموذجاً في المواءمة بين النمو الاقتصادي ومتطلبات الاستدامة، وبين التوسع العمراني والمحافظة على الموارد، وبين التنمية الحالية وحقوق الأجيال المقبلة.

إن تقديم تقرير الشفافية والمساهمة الوطنية الثالثة ليس نهاية الطريق، بل محطة جديدة في مسيرة وطنية طويلة تؤكد أن البحرين تنظر إلى المناخ بوصفه قضية تنموية واستراتيجية وأخلاقية في آن واحد. ومع استمرار هذا النهج، فإن المملكة لا تبني بيئة أكثر استدامة فحسب، بل تؤسس لمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً وقدرة على مواجهة تحديات الغد بثقة واقتدار.