كم مرة جلست في سيارتك، بعد أن وصلت إلى بيتك، عائداً من عملك، وبقيت جالساً فيها دقائق، لا لأنك لا تريد لقاء أهل بيتك المنتظرين وصولك، بل لأنك تحتاج هذه الدقائق، لإعادة جمع ما تبقى منك، وترتيب ملامحك، لتنزل بعدها من سيارتك، وكأن شيئا لم يكن، وكم مرة رأيت شخصاً يفعل ذلك وأنت تراقب ما يفعله غيرك؟ وكم مرة تجهزت في الصباح الباكر لتذهب إلى عملك فاستغرقت وقتاً طويلاً في ارتداء حذائك، أكثر من وقتك الطبيعي بعشر مرات.

نحن أو غيرنا -إن كان ذلك الوصف لا ينطبق علينا- نظن خطأ أننا بخير، فقط لأننا لم نسقط، لكن ما تعلمناه متأخراً؛ ليس كل الذين يواصلون السير أقوياء، وليس من نراهم متأنقين واقفين بطريقة مستقيمة مشدودة، مرتاحين، نحن نواصل المسير، ونظهر بأفضل صورة، لأننا لا نملك رفاهية التوقف، وهذا هو الفارق بين من يصمد مختاراً الصمود، ومن يصمد لأن خلفه بيتاً كاملاً بكل أفراده ومتعلقاتهم، فإن وقع هو سيقع البيت بعده، لأنه يعرف جيداً أنه إذا توقف يوماً واحداً، سيؤثر ذلك على إيجار البيت، والكهرباء، وأقساط المدارس، وغيرها الكثير، لذا نحن لسنا أبطالاً، بل محاصرون بالمسؤوليات، نبتسم للآخرين، ونرد بلطف، وربما نبدو هادئين، لكن في داخلنا نجري حسابات مستمرة، الراتب، السوق المفاجئات، الأمراض والأدوية، وكل ما من شأنه أن يربك الميزانية أو يعيد تشكيلها، المتعب أكثر هو المحافظة على ألا يكتشف من حولنا أننا متعبون، لأننا الحل الدائم بالنسبة لهم، والسند الذي لا يتزحزح، ولا يمكن أن نحتمل شعورهم بالقلق، فسيكون ذلك حملاً فوق الحمل.

نحن لسنا دوماً آباء، قد نكون أماً وزوجة، لا تملك رفاهية التوقف لمرض، فمن سيطبخ ومن ينظف، ومن يرعى الصغار، فتطمئن الجميع وتأكل من جسدها لتصمد، وقد نكون ابناً صغيراً صار رجلاً قبل أوانه، لأن البيت يحتاج رجلاً، وقد نكون بنتاً وجدت نفسها تؤجل أحلامها إلى أجل غير مسمى، لتعيش الفترة التي تكبرها بسنين، لذا أكثرنا لا يكبر مع الأيام، بل مع المسؤوليات، ما يزيد الأمر سوءاً، أن صمودنا وما يبدو أنها قوتنا، تجعل الناس يثقلون علينا دون قصد، فمن لا يشتكي لا يسأله أحد، ومن يدبر أموره لا يعرض عليه أحد المساعدة، بل يقال له «أنت ما عليك خوف» مديح يسحب حقنا في أن نكون ضعفاء ولو لفترة بسيطة، فيكون ثمن الصمود الطويل غالياً، فالجسد ليس له صبر كما نصبر نحن.

ليس هذا الكلام دعوة للتذمر والتهرب من المسؤولية، فالمسؤولية شرف، وسعادة العطاء ترافق هذا التعب، لكن هناك خيطاً رفيعاً بين المسؤولية والاستنزاف، لابد من معرفته، فمن يشعر بك ويشكرك على عطائك، ينسيك ما مر بك، ويجعلك تستعيد طاقتك، ومن يرى أن بذلك وعطاءك واجب طبيعي لا يستحق أن يلتفت إليه، فهو يستنزفك، وإن فعل ذلك بدون قصد، كما أن هذا الكلام ليس دعوة لمن يبدون صامدين لينهاروا، لكنه دعوة لمن حولهم ليسألوا عن أحوالهم الحقيقة، لا أحوالهم الظاهرة، فمن يسند الجميع يحتاج بين الحين والآخر لمن يسنده، فليس كل صامد قوياً، هناك صامدون صموداً اضطرارياً.

* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية