في إحدى حفلاتِ تخرُّجِ الروضة، وأنا أتابعُ الأطفالَ وهم يقفونَ على المسرحِ بملابسِهم الجميلة، وابتسامتهم البريئة، فإذا بهم يرفعُون رأسَهم عالياً ويُنشدُون النشيدَ الوطنيَّ بكلِّ ما يملكُون من حماس؛ فلم يكن الأطفالُ ينشدون الكلماتِ فحسب، بل كانت عيونُهم تتجهُ بعفويةٍ نحو صورةِ جلالةِ الملك، بمحبةٍ صادقةٍ لا تعرفُ التصنُّع، يحيّون العلم بحماسٍ وفخرـ عندها أدركتُ أنَّ هذا المشهدَ لم يُصنعْ في دقائقَ الحفل، بل صاغتْه سنواتٌ من التربيةِ والمحبةِ والتوجيه.
في تلكَ اللحظةِ بدا المشهدُ كأنَّهُ لوحةٌ وطنيةٌ هادئة؛ الأسرةُ تقفُ خلفَ الطفلِ كجذورِ الشجرة، والروضةُ تمتدُّ حوله كالأغصان، والوطنُ يزهرُ في قلبِه ثمرةً طيبة. فالأوطانُ العظيمةُ لا تُبنى بالحجارةِ وحدها، بل تُبنى قبلَ ذلكَ بالقلوبِ التي تتعلَّمُ منذُ الصغرِ كيفَ تُحبُّها.
وحينَ نسمعُ كلمةَ «المواطنة» قد نظنُّها فكرةً كبيرةً لا يفهمُها إلا الكبار، لكنَّ الحقيقةَ أنَّها تبدأُ صغيرةً، أصغرَ من أن تُكتبَ في كتاب، وأرقَّ من أن تُشرحَ في محاضرة. تبدأُ هناك، في حضنِ أمٍّ تضمُّ طفلَها وهي تُعلِّمهُ أنَّ لهذه الأرضِ اسماً يحبُّه، ولهذه الرايةِ لوناً يعتزُّ به، ولهذا الوطنِ فضلاً يستحقُّ الشكر والانتماء إليه.
فالوطنُ لا يدخلُ قلبَ الطفلِ دفعةً واحدة، بل يتسللُ إليه كما يتسللُ الضوءُ إلى نافذةِ الصباح. يراهُ أولاً في فرحةِ والديه في الأعيادِ الوطنية، وفي كلماتِ الحبِّ التي يسمعُها عن وطنِه، وفي احترامِهم لقيادتِهم، وفي الدعواتِ الصادقةِ التي ترتفعُ من القلوبِ بأن يبقى هذا الوطنُ آمناً مزدهراً.
ثمَّ يحملُ الطفلُ هذه البذورَ الصغيرةَ معه إلى الروضة، حيثُ تبدأُ رحلةٌ أخرى. هناكَ يتعلَّمُ أنَّ له نشيداً يردِّدُه مع أصدقائِه، ورايةً يرفعُها بفخر، وصوراً لقادةٍ أحبُّوا وطنَهم فأحبَّهم الناس. وهناكَ تتحولُ المشاعرُ البسيطةُ إلى وعيٍ صغيرٍ ينمو يوماً بعد يوم.
ولهذا فإنَّ المواطنةَ الحقيقيةَ لا تبدأُ عندَ أبوابِ المؤسساتِ الكبرى، ولا في مراحلِ العمرِ المتأخرة، بل تبدأُ من حكايةٍ قبلَ النوم، ومن كلمةِ حبٍّ يسمعُها الطفلُ في بيتِه، ومن نشيدٍ يردِّدُه في روضتِه، ومن نظرةِ فخرٍ ترتسمُ في عينيهِ وهو يتعلَّمُ أنَّ له وطناً يحتضنُه كما تحتضنُه ذراعا أمه.
وهكذا، بينَ حضنِ الأسرةِ ومقاعدِ الروضةِ، لا يتعلَّمُ الطفلُ القراءةَ والكتابةَ فحسب، بل يبدأُ في كتابةِ أولِ سطورِ المواطنةِ في قلبِه؛ تلكَ السطورُ التي ستكبرُ معه يومًا بعد يوم، حتى تصبحَ إخلاصاً في العمل، وصدقاً في العطاء، ووفاءً لوطنٍ أحبَّه صغيراً، فظلَّ يحبُّه كبيراً.