في ركاب هذه الحياة نسير جميعاً نحو سنةٍ فطريةٍ لا تعرف التفريق؛ فكلنا راحلون، فإما فاقدٌ وإما مفقود. ورغم إيماننا بأن الموت حقٌّ، إلا أننا نظل بشراً ضعفاء، نهاب إدراك ذلك الرحيل ونخشى حضوره؛ وقد أخبرنا الله سبحانه عن هذه الحقيقة في محكم تنزيله، فقال تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ».
وفي تلك اللحظة المؤلمة عندما يطرق مسامعنا نبأ رحيل من نحب، نجد أنفسنا واجمين بين رهبةِ الذهول وصدمةِ الإنكار؛ حينها تنهار قوانا، ويتزلزل كياننا، وتسكن صدورنا أنفاسٌ خانقة. إنه ألمٌ يعتصر الأفئدة، يخلف في الروح فراغاً موحشاً؛ فلا دواء يشفي، ولا نوم يُنسي، وحتى النهارَ يغدو كالليل في ظلمته. وأمام مرارة الواقع، نتساءل بعجزٍ وانكسار: كيف سنصبر على رحيلهم؟ وكيف ستسير الحياة بدون من كانوا لنا هم الحياة؟
لقد تجرع كلٌّ منا ذات الغصة؛ إلا أننا نتفاوت في شدة المصاب وقدرة التعايش مع هذا العبء الثقيل. ولا يمكننا إنكار الألم؛ فالحزن والبكاء لا ينافيان الرضا بقضاء الله وأقداره، ولنا في سيرة النبي (ص) عزاءٌ حين قال عند موت فلذة كبدِه: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وإنَّ القَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا».
وتحت وطأة النوازل، نحتاج لحسن الظن بالله، فسبحان من لم يكن ليتركنا في هذه المحن دون نفحاتٍ وسكينةٍ تعيننا على الثبات، ولنوقن أننا في كنف ربٍّ لطيفٍ خبيرٍ، بيده مفاتيح الصبر والسلوان؛ إذ قال نبينا (ص): «إنَّ اللهَ ينزلُ من الصبرِ على قدرِ المصيبةِ». كما أن البوح بما يجول في القلب من وجع يُعدّ جزءاً من ترميم ما تصدّع من أرواحنا ولو بقدر بسيط.
فيا من فقدت الأم والوالد والولد، والحبيب والصاحب والسند؛ أُدْرِكُ جيداً أنه ستعصف بك فتراتٌ متعاقبة من الحنين تعلو وترتدُّ كالمد والجزر، فتشبث بحبل الله المتين، ونادِ ربك: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، فلا ملجأ من الله إلا إليه. وتبصّر في سيرة نبيه (ص) الذي ذاق مختلف مرارات الفقد ليكون ثباته عزاءً لأفئدة المحزونين؛ استعن بالصلاة والدعاء لمن فقدتهم، وتصدق عنهم، وصِلْ أهل وِدّهم في هذه الحياة الدنيا؛ فهذا يعد امتداداً للبرّ وأسمى منازل الوفاء لهم. استشعر رحمة الله وقربه، وتذكر أن مع كل غصةٍ واسترجاع ستتدفق سكينةٌ تعينك على التحمل والثبات، فهي جندٌ من جنود الله لا يستشعرها إلا المؤمن.
لقد رحل أحباؤنا واستراحوا من كبد الدنيا وشقائها، ووفدوا إلى الله وحلّوا في ضيافته؛ فهل في الوجود من هو أرحم بالعبد من ربه؟ ويبقى عزاؤنا أن الملتقى سيكون في دار الحق على سرر متقابلين، في جنةٍ لا نصب فيها ولا حزن.
وختاماً.. لطالما كان الحديث عن فقد الأحبة حديثاً ذا شجون؛ وإنني في هذه السطور إذ أُشاطرُ قلوباً موجوعة وأنا لستُ ببعيدةٍ عن هذا، فكلنا ذاك الإنسان الضعيف والفاقد المكلوم. ولكنني أرجو من الله أن تكون كلماتي هذه يداً حانيةً علّها تُخفف من وطأة الوجع ومرارة الفقد، مستظلين بسعة رحمة الله الذي بيده مفاتيح الصبر والسكينة والفرج. ستتنزل الرحمات على قلوبنا، وستتذوق أرواحنا طعم الرضا بأقدار الله؛ فاللهم صبراً جميلاً، وسكينةً تغشى الروح، وطمأنينةً تجبر القلوب المنكسرة.
ومضة: إننا في غمرة الأزمات الإنسانية نحتاج لقلبٍ يحتوينا، يستمع لنبض ألمنا ويسندنا؛ ليرمم ما تصدّع من أرواحنا، فنتنفس الأمل والرضا مجدداً، ونستمر في هذه الحياة بثبات رغم الغياب.