الأخبار تتحدث عن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق نهائي وحاسم. وبعض التقارير ذهبت أبعد من ذلك، وتحدثت عن نص نهائي جاهز للتوقيع خلال ساعات، حتى المسؤولون الإيرانيين على رأسهم وزير الخارجية عباس عراقجي تحدثوا بأن الاتفاق أصبح أقرب من أي وقت مضى.

وسط هذا الزخم الإخباري، هناك سؤال مهم جداً؛ إذ مع من بالضبط يتفاوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟!

هل يتفاوض مع حكومة الرئيس الإيراني؟! أم مع وزارة الخارجية؟! أم مع البرلمان؟! أم مع الحرس الثوري؟! أم أن الطرف الحقيقي الذي يملك القرار النهائي هو مكتب المرشد الأعلى؟!

هذا السؤال هو جوهر القضية كلها. فمن يعرف طبيعة النظام الإيراني، يدرك أن الدولة هناك منظومة متشابكة من مراكز القوى، لكل منها نفوذها وأجندتها وأدواتها. أي أنها ليست مؤسسة تقليدية يوجد فيها مركز قرار واحد.

وزارة الخارجية تتفاوض، لكنها لا تملك وحدها القرار النهائي. البرلمان يمكنه أن يؤيد أو يعترض، لكنه ليس صاحب الكلمة العليا. أما الحرس الثوري، فهو قوة سياسية وأمنية واقتصادية تمتلك نفوذاً واسعاً داخل الدولة وخارجها.

وفوق الجميع يأتي مكتب المرشد الأعلى، الذي يبقى عملياً المرجعية النهائية للقرارات الاستراتيجية الكبرى، خصوصاً المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن القومي والعلاقة مع الولايات المتحدة.

لهذا السبب، فإن أي حديث عن اتفاق أمريكي إيراني لا تكتمل صورته إلا بالإجابة عن سؤال واحد، إذ هل هذا الاتفاق يحظى فعلاً بموافقة جميع مراكز القوة الإيرانية؟!

إذا كانت الإجابة نعم، فهذا يعني أن المفاوضات مع الولايات المتحدة، كانت تتم ضمن تفاهم أوسع يشمل المرشد الأعلى والحرس الثوري والمؤسسات المؤثرة الأخرى. أما إذا كانت الإجابة لا، فإن أي اتفاق سيظل معرّضاً للاهتزاز أو التعطيل أو حتى الانهيار عند أول اختبار حقيقي.

بحسب ما تابعناه خلال الفترة الماضية، تبرز أمثلة كثيرة على وجود فجوة بين ما يقال على طاولات التفاوض وما يحدث على الأرض.

ولهذا تبدو التصريحات المتفائلة الصادرة عن بعض المسؤولين الإيرانيين غير كافية وحدها للحكم على جدية الاتفاق. فإذا كانت إيران وصلت بالفعل إلى مرحلة متقدمة من التفاهم مع واشنطن، وإذا كانت أغلب القضايا الخلافية قد حُلت كما يقال، فلماذا تستمر المنطقة في مشاهدة التصعيد نفسه؟! ولماذا تستمر الهجمات الصاروخية والمسيّرات التي تستهدف دولنا الخليجية؟!

هنا يبرز احتمالان رئيسيان. الأول أن هذه العمليات تتم بموافقة ضمنية من مراكز القرار الإيرانية بهدف تحسين شروط التفاوض وكسب أوراق ضغط إضافية قبل الوصول إلى المرحلة النهائية. أما الثاني، فهو أن بعض أدوات النفوذ الإقليمية ما زالت تتحرك وفق حساباتها الخاصة، بما يعكس وجود تباينات داخلية أو رغبة في إبقاء مستويات معينة من الضغط حتى أثناء التفاوض.

في الحالتين، تبقى الرسالة واحدة، إذ لا يمكن الحكم على أي اتفاق من خلال التصريحات وحدها. الاختبار الحقيقي لأي تفاهم أمريكي إيراني لن يكون في النصوص التي تُوقّع، بل في السلوك الذي يلي التوقيع.

وهنا الأسئلة المفصلية بناء على ذلك، إذ هل سيتوقف التصعيد والاستهداف الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة؟! وهل ستختفي لغة المواجهة التي سيطرت على المشهد طوال الأشهر الماضية؟! أم أننا سنكتشف ما هو إلا إعادة تموضع سياسي مؤقت؟!

إيران طوال الفترة الماضية قدمت خطاباً داخلياً وإعلامياً يوحي لأتباعها وحلفائها بأنها الطرف المنتصر وأنها تفرض شروطها على الجميع.

لكن إذا كانت المفاوضات قد وصلت فعلاً إلى هذه المرحلة المتقدمة، فإن السؤال الأخطر هو: هل كانت كل رسائل التصعيد السابقة جزءاً من معركة تفاوضية هدفها تحسين الموقع قبل الوصول إلى التسوية؟! أم أن هناك أطرافاً داخل المنظومة الإيرانية ما زالت غير مستعدة للانتقال من المواجهة إلى الاتفاق؟!

وعليه أرى بأن السؤال الأهم ليست بـ«هل سيُوقع الاتفاق»؟!، بل «من هو الطرف الإيراني الحقيقي الذي سيضمن تنفيذ هذا الاتفاق بعد توقيعه؟!».