ليست كلُّ البيوت متشابهة في قدرتها، ولا كلُّ الشباب يبدأون حياتهم من النقطة نفسها. وبينما يستطيع بعضهم أن يقيم ليلة زفاف فاخرة لا تثقل ميزانيته، قد يدخل آخر حياته الزوجية، وهو يحمل فوق كتفيه فاتورة ليلة واحدة، كان يفترض أن تكون أول أبواب الفرح لا أول أبواب الدَّين.
ومن هنا أطرح فكرة للنقاش، لا أدعو فيها إلى إلغاء فرحة الأعراس، ولا إلى التضييق على الناس في اختياراتهم، وإنما إلى تبسيط بعض الأعراف التي تحولت مع مرور الوقت من اختيارات إلى ما يشبه الالتزامات الاجتماعية.لماذا لا تكون لدينا قاعات أفراح بخيارات متعددة، أحدها حفل جميل متكامل في أناقته وتنظيمه وضيافته، ولكن من دون عشاء؟
يُستقبل الضيوف بالقهوة والشاي والعصائر، وتُقدَّم الموالح والحلويات والمكسرات، ويستمتع الجميع بأجواء العرس، ويباركون للعروسين، ويجبرون خاطر أهلهما، ويشاركونهم تلك الساعات الجميلة، ثم يعودون إلى بيوتهم وقد أدّوا أجمل ما في المناسبة: المشاركة والمحبة.
فهل العشاء هو الذي يصنع العرس؟
قديماً، لم تكن موائد الأعراس تحمل كل هذا التكلّف الذي نراه اليوم، وكان «الشربت» والمكسرات وضيافة بسيطة تكفي لاستقبال الناس، ومع ذلك كانت الأفراح عامرة، والقلوب أكثر انشغالاً بالعروس وأهلها من انشغالها بما سيُقدَّم على المائدة.
ولا أقصد بهذا المقترح أن نطالب الفنادق أو أصحاب القاعات بالتخلي عن مصدر من مصادر دخلهم؛ فلكل مؤسسة حساباتها وتكاليفها، وهذا حقها. لكن لماذا لا تُطرح باقات مختلفة؟ من أراد العشاء فله اختياره، ومن أراد حفلاً يقتصر على القاعة والضيافة الخفيفة فليجد أمامه هذا الخيار بسعر يتناسب معه.
وربما يكون الأجمل أن تنتشر قاعات مخصصة لهذا النوع من الأعراس؛ قاعات أنيقة وجميلة، لكن فكرتها منذ البداية تقوم على أن الفرح ليس مرادفاً للإنفاق الكبير.
نحن بحاجة أحياناً إلى أن نغيّر مفهومنا لا احتفالاتنا؛ فلا أحد يطالب بإطفاء الأنوار، ولا بإلغاء الفستان الجميل أو الزينة أو الموسيقى أو فرحة اللقاء، وإنما المطلوب أن نزيل من ليلة العمر ما ليس ضرورياً، حتى لا يدفع شاب في بداية حياته ثمن عادة اجتماعية أكثر مما يدفع ثمن حاجاته الحقيقية لبناء بيته.
وأعرف أن تغيير الأعراف ليس سهلاً؛ فما اعتاده المجتمع سنوات طويلة يصبح في نظر البعض جزءاً لا يتجزأ من المناسبة. وسيقول آخرون إن العشاء من كرم الضيافة، وإنهم يحبون بقاءه، وهذا رأي نحترمه أيضاً. فالمقترح لا يريد أن يفرض شكلاً واحداً على الجميع، بل على العكس تماماً؛ يريد أن يمنح الجميع حق الاختيار دون حرج.
فمن استطاع أن يقيم عرساً كبيراً، فليفرح بما يستطيع، ومن اختار البساطة فلا ينبغي أن يشعر أنه قدّم لضيوفه أقل مما يجب.
لأننا في النهاية لا نذهب إلى الأعراس كي نتناول وجبة عشاء؛ نذهب لنقول لأهل الفرح: نحن معكم في هذه الليلة الجميلة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا اليوم:
لو دُعيت إلى عرس جميل وأنيق، قُدِّمت فيه القهوة والشاي والعصائر والموالح والحلويات والمكسرات، ولكن بلا عشاء.. فهل ستشعر حقاً أن شيئاً من الفرح قد نقص؟