منذ سنين طوال شكلت الشعائر الحسينية ومجالس العزاء لأصحاب الطائفة الشيعية جزءاً من الهوية الثقافية لموسم عاشوراء في مملكة البحرين، وظلت الدولة حريصة على توفير البيئة المناسبة لإحياء هذا الموسم وضمان استمراريته باعتباره مناسبة دينية راسخة لدى أصحاب المذهب الشيعي، ومن باب احترام ودعم الحريات الدينية والتعدد المذهبي وضمان إبراز هذه المناسبة بالشكل الحضاري والروحاني المناسب حيث لم تتوقف الجهود الرسمية عن دعم هذا الموسم وتوفير مختلف الخدمات والتنظيمات التي تكفل نجاحه، وتحافظ على سلامة المشاركين فيه.

واليوم، وفي ظل المتغيرات الإقليمية والتحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة تبدو مملكة البحرين أمام مرحلة جديدة تستوجب تعزيز الضوابط والإجراءات التي تحافظ على قدسية المناسبة وطابعها الديني الأصيل ومنع اختراقها بالأفكار العدائية المضللة وقمع أي محاولات لاستغلالها في خدمة مشاريع سياسية أو أجندات خارجية لا تمت بصلة إلى الشعائر الحسينية التاريخية التي عرفها البحرينيون عبر الأجيال، ومن هذا المنطلق جاءت الرسائل الواضحة من قبل وزارة الداخلية مشكورة التي أكدت أن حماية عاشوراء لا تقتصر على توفير الخدمات فحسب، بل تشمل أيضاً صون المناسبة من محاولات التسييس والاختراق الفكري والتنظيمي المرتبط بمشاريع ولاية الفقيه العابرة للحدود، والتي تسعى إلى توظيف الدين وتحريف مبادئه لتحقيق أهداف سياسية تتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها؛ وبذلك فإن الإجراءات المعلنة التي تمت مؤخراً لا تستهدف المذهب أو الشعائر والثوابت الدينية لدى أصحاب المذهب الشيعي خلال موسم عاشوراء فحقهم وحرياتهم الدينية مكفولة وفق الضوابط والقانون البحريني إنما تهدف هذه الإجراءات إلى حماية المجتمع البحريني بمختلف مكوناته وبالذات أصحاب المذهب الشيعي بالدرجة الأولى من اختراق الأيديولوجية الدينية لهم وتحريفها وضمها لمشاريع إرهابية تزور حقيقة الهوية الشيعية العربية والحفاظ على عاشوراء البحرين كرمز ديني وطني بعيداً عن الاستقطابات والصراعات الإقليمية.

فالادعاء بأن مملكة البحرين تقمع الحريات الدينية للشيعة يتعارض مع الواقع الميداني الذي يشهده موسم عاشوراء عاماً بعد عام حيث تقام المجالس الحسينية والمواكب والشعائر الدينية في مختلف مناطق المملكة بصورة علنية ومنظمة وسط دعم وتسهيلات حكومية وخدمات متكاملة والبحرين تعد من أبرز الدول الخليجية التي تحافظ على خصوصية شعائر عاشوراء، وتوفر البيئة المناسبة لإقامتها حيث تتعاون الجهات الرسمية مع المآتم واللجان المنظمة لتأمين المواكب وتنظيم الحركة المرورية وتوفير الخدمات الصحية والنظافة العامة وسائر الاحتياجات اللوجستية المرتبطة بالمناسبة وهذا ما لا نراه في أي دولة أخرى ويحسب للبحرين ودليل ذلك ما يشهده موسم عاشوراء البحرين سنوياً من مشاركة واسعة من المواطنين والمقيمين في إحياء هذه الشعائر دون قيود على الممارسة الدينية في إطار القانون والنظام العام.

وما خرج به معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة خلال لقائه السنوي الأخير برؤساء ومسؤولي المآتم وتأكيده أن الدولة تحمي وتدعم ممارسة الشعائر الدينية المكفولة قانوناً، وأن الهدف هو الحفاظ على الطابع الديني والحضاري لعاشوراء. والإجراءات المتخذة لا تستهدف الشعائر الحسينية أو المذهب الشيعي، وإنما تستهدف محاولات استغلال المناسبات الدينية لخدمة مشاريع سياسية مرتبطة بأجندات خارجية، وفي إطار ذلك أن الشبكات التي تم ضبطها كانت تعمل على نشر فكر ولاية الفقيه وتحويل الانتماء من الدولة الوطنية إلى الولاء السياسي لجهة خارجية وهو ما اعتبرته السلطات تهديداً للسيادة الوطنية ووحدة المجتمع البحريني كلها رسائل وطنية حازمة من الدولة أن البحرين تدعم عاشوراء البحرين وحماية اختطاف هوية البحريني الشيعي العربي.

ومن المهم أيضاً هنا أن نؤكد على حقيقة ثابتة أن عاشوراء البحرين أقدم تاريخياً من المشاريع السياسية المعاصرة، ومن نظرية ولاية الفقيه نفسها والشعائر الحسينية جزء أساسي وثابت من عاشوراء البحرين وحماية هذه الشعائر لا تعني السماح بتحويلها إلى منصة للصراعات الإقليمية أو رفع شعارات مرتبطة بتنظيمات ودول أجنبية فالحرية الدينية يكفلها الدستور البحريني فكبار الدول الديمقراطية تحمي دور العبادة والشعائر الدينية لديها، وترفض استغلالها للتحريض أو خدمة أجندات خارجية ومملكة البحرين جزء من المجتمع الدولي وما تقوم به حقها السيادي في حماية الشعائر الدينية من التسييس، وليس تقييد الحريات الدينية كما يروج البعض.