«لا أريد أكثر من حماية نفسي» عبارة يقولها أكثر الناس لآخرين، قد تبدو مقبولة ومشروعة، لكن خلفها يختبئ مفهوم قاسٍ، فيه نوع من العنف غير الصريح، وقسوة لا تصدر ضجيجاً، لكنها كفيلة بتحويل المجتمع إلى ساحة صراع، يحاول فيها كل فرد النجاة على حساب الآخر.
في الظاهر يبدو الأمر طبيعياً، كل إنسان يواجه أعباء الحياة المتزايدة، يرفع سقف طلباته، أو يظهر شدة في الحصول على حقه، وقد يظهر رحمة أقل، ليغطي نفقاته، وهنا لا يشعر أحد أنه مارس ظلماً، فهو لا يريد أكثر من البقاء. إلا أن الجميع يفعلون الشيء نفسه في الوقت نفسه، فيتضخم الأمر ويتزايد، فما يفرضه على الآخرين ويحمله إياهم ليتخلص منه، الآخرون أنفسهم يحملونه شيئاً آخر أُلقي عليه ومن باب آخر، ليعود ويشتكي من ضائقة أخرى ولا يدرك أنه أحد صانعيها بشكل غير مباشر. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة، كل فرد فيها يمرر أزمته لآخر، فتتحرك أزمته في دائرة تعود إلى نقطة انطلاقها، وبذلك لا أحد يربح، والكل يتبادل الأذى، في الوقت الذي يحسبون جميعاً أنهم يفعلون ذلك للنجاة. هذا السلوك الاقتصادي بين أفراد المجتمع شبيه جداً بـ»اقتصاد تمرير الألم» وهو تعبير وصفي يستخدم في عالم الاقتصاد والسياسة للدلالة على أن جهة ما تتجنب تحمل تكلفة الأزمة، فتنقلها إلى جهة أضعف منها، بمعنى أن كل طرف يمرر أزمته إلى الطرف الذي يليه بدلاً من أن يتحمل هو الأزمة. وهكذا الطرف التالي يحمل أزمته لمن يليه. هذا السلوك يختلف ظهوره وقوته في المجتمعات تبعاً لإدراك المجتمع نفسه لأفعاله، ولتدخل الدولة والسيطرة عليه، لكنه موجود في كل المجتمعات بدون استثناء، فنجده اليوم ظاهراً بقوة في الدول التي ينهار اقتصادها، والدول التي يسيطر عليها الفاسدون ويديرها اللصوص، بينما هو أضعف في الدول التي تراقب أنشطتها الاقتصادية وتتدخل وتحاسب.
القضية لا تتعلق في إنسان يسعى للربح، ليحسن حياته، لأن هذا حق لا يختلف عليه أحد، لكن القضية في معرفة الفاصل بين الربح والجشع، وبين أن تأخذ حقك وتستنزف المقابل. ومع ممارسة السلوك المذموم، تتحول الرحمة إلى ضعف، والقناعة إلى سذاجة، ويصبح النجاح يقاس بمقدار ما ينتزع من المقابل، فيتحول المجتمع ببطء إلى ما يمكن أن نطلق عليه التوحش، ويظهر هنا سؤال: هل الظروف الصعبة تبرر قسوة بعضنا على بعض؟ الجواب علينا أن ندرك أن المجتمع لا ينجو أفراده إلا إذا أدركوا أن مصالحهم متشابكة، وأن النجاة لا تكون فردية، بل جماعية، ولا أدعو هنا أن يتنازل كل فرد عن حقوقه، ولا إلى أن يخسر، ولكن أدعو كل فرد ليعي أن للطمع كلفة لا تسقط على فراغ، بل تدور بيننا في دائرة تعود بها إليه.