ورد في كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه: «وما يؤسفنا أكثر هو تجاهل إيران لما يُفترض أن يجمعنا بها من رابطة دينية، وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي أكسبت حضارتها عمقاً روحياً وإنسانياً ومعرفياً بعد عصور من الضلال».

فبعد استجابة سكان البحرين السريعة لدعوة الإسلام ومساهمتهم في نشره في نواحي وقرى البحرين وإرسالهم وفوداً متعددة إلى المدينة لإعلان بيعتهم للنبي ﷺ وإظهار ولائهم للدولة الإسلامية وحُسن إسلامهم، أشاد النبي ﷺ بمواقف أهل البحرين، ووصفهم بأنهم خير أهل المشرق، وامتدح مواقف زعمائهم بالحلم والأناة، وأثبت أهل البحرين استحقاقهم لما أخبر به النبي ﷺ من خلال مواقفهم المتميزة ودعمهم للخلافة الراشدة حيث ساهموا في إفشال حركة الردة والتمرد في بعض نواحي جزيرة العرب، ونتيجةً للأهمية التي كانت تتميز بها البحرين وارتباطها المباشر بدولة الخلافة الراشدة، انطلق أهل البحرين وبحماسٍ كبير للمساهمة في الفتوحات العربية الإسلامية حيث أصبحت البحرين أحد المراكز المهمة لانطلاق جيوش الفاتحين تجاه العراق وبلاد فارس والمشرق.

تنافس سكان البحرين بقبائلها العربية المختلفة في المساهمة في الفتوحات العربية الإسلامية ونشر الإسلام وحضارته، فبعد انتهاء حركة الردة وعودة الوحدة السياسية والدينية لجزيرة العرب سرعان ما التحق قسم كبير من سكان البحرين، خصوصاً قبيلتي بكر بن وائل وتميم وبطون أخرى من قبائل البحرين بجيش خالد بن الوليد سنة ١١هـ - ٦٣٢م الذي توجّه لفتح جنوب ووسط العراق ونواحي المشرق، وعلى الرغم من انتقال خالد بن الوليد سنة ١٣هـ - ٦٣٤م إلى الشام لقيادة المسلمين في حربهم ضد الروم البيزنطيين حيث خلفه في قيادة جيوش المسلمين في العراق المثنى بن حارثه الشيباني وهو أحد زعماء بني شيبان من قبيلة بكر بن وائل في البحرين، وبعد استشهاد المثنى، التحق جيشه ومنهم أهل البحرين بجيش سعد بن أبي وقاص الذي تولى قيادة جيوش العراق ضد الفرس، وبرز من بينهم قادة ميدانيون متميزون، بل كان لأبناء البحرين من قبيلتي بكر بن وائل، وتميم دور بارز في حسم معركة القادسية سنة ١٦هـ - ٦٣٧م لصالح المسلمين وإلحاق هزيمة كبيرة بجيش الساسانيين الفرس حيث استخدموا خبرتهم في قتل الفيلة التي استخدمها الفرس بكثرة في المعركة المذكورة.

ولم تتوقف مساهمة أهل البحرين وفضلهم في نشر الإسلام وحضارته شمالاً وإنما كانت لهم بصمات أخرى، ففي سنة ١٤هـ - ٦٣٥م قاد والي البحرين العلاء الحضرمي جيشاً جُلّه من أهل البحرين للعبور بحراً من البحرين إلى الضفة الشرقية من الخليج العربيّ، وكانت مهمته فتح جزر ومدن إقليم فارس، ونشر الإسلام فيها، وكان تعداد الجيش الذي عبر معه حوالي اثني عشر ألفاً وقسمه إلى ثلاث فرق جميع قادتها من أهل البحرين حيث تولى قيادة الفرقة الأولى الجارود بن المعلى العبدي والثانية السوار بن همام العبدي بينما تولى قيادة الفرقة الثالثة خليد بن المنذر بن ساوى التميمي، وتوغل جيش المسلمين في إقليم فارس وتم فتح خارك، وحدثت معركة ضارية بين القوات الإسلامية واصطخر وفي جزيرة طاووس الفارسية التي كانت بقيادة الهربذ وجيش المسلمين بقيادة العلاء الحضرمي.

وتواصلت الانتصارات والفتوحات في جبهة بلاد فارس براً لاسيّما بعد معركة نهاوند الشهيرة سنة ٢١هـ - ٦٤٢م، أذن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين في البحرين التوغل مجدداً بحراً عن طريق الخليج العربي إلى إقليم فارس وجعل الخليفة عمر بن الخطاب لوالي البحرين عثمان بن أبي العاص قيادة لواء اصطخر في إقليم فارس، فأرسل عثمان قوة استطلاع للساحل الشرقي للخليج العربي، واندفع على إثرها بجيشه وأغلبهم من أهل البحرين فاجتاز البحر إلى إقليم فارس، وفتح جزيرة بركاوان وتوغل إلى مدينة توج الحصينة، ثم فتحها ودخل بعد ذلك مدينة جور، وعلى أثر ذلك فتح اصطخر، وبحسب بعض الروايات، فقد عاد عثمان بن أبي العاص بأمر الخليفة عمر إلى البحرين، وخلف على جيشه في إقليم فارس أخاه الحكم بن أبي العاص الثقفي وهو الذي هزم جيش شهرك الفارسي وفتح توج وسابور وريشهر وذهب عمرو بن الاهتم يبشر الخليفة عمر بن الخطاب بالنصر العظيم.

وفي سنة ٢٢هـ - ٦٤٣م انطلق والي البحرين عثمان بن أبي العاص من البحرين مرة ثانية لقيادة الفتوحات واستكمال مهامه في فتح الضفة الشرقية للخليج العربي وإقليم فارس فأرسل عثمان بن أبي العاص جيشاً بقيادة هرم بن حبان العبدي لفتح قلاع مهمة بينما توجه داخل إقليم فارس وبالتنسيق مع جيش البصرة في عهد واليها أبو موسى الأشعري حيث تم إعادة فتح (جور واصطخر وسابور) مرة ثانية سنة ٢٣هـ - ٦٤٤م وفتحت مدن جديدة منها (ارجان، كازران، النوبندجان، شيراز، سينيز، ودار أبجرد وجهرم).

لم يتوقف فضل الجزيرة العربية وأهل البحرين ومساهمتهم في جانب الفتوحات والحملات العسكرية فحسب، بل كان لهم دور واضح ومشرق في بلاد فارس والمشرق طيلة العهود الإسلامية وعملهم الدؤوب لإخراج أهل تلك البلاد من الظلمات إلى النور من خلال مساهمتهم في نشر الإسلام وقيمه ومبادئه السمحاء ونقلهم قيم الحضارة والثقافة العربية الإسلامية، ومثّل ذلك إضافة كبيرة للحضارة الفارسية أتاح لها تطوراً ومساهمة في الحضارة الإسلامية بشكل خاص والحضارة الإنسانية بشكل عام.