ظل مضيق هرمز عقوداً طويلة الجوهر العملياتي لما يُعرف بـالردع غير المتناظر في العقيدة العسكرية الإيرانية. غير أن التحولات الهيكلية في البيئة الأمنية والاقتصادية الإقليمية والدولية فرضت واقعاً جديداً؛ إذ لم يعد هذا الممر المائي، الذي يمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية، محض ورقة إملاء سياسي، بل تحول إلى نقطة اختناق استراتيجية مزدوجة تُقيد خيارات طهران بقدر ما تهدد خصومها.

وحيث اعتمدت قدرة طهران على التهديد بإغلاق المضيق كإجراء ردعي تكتيكي عبر استخدام الزوارق الصاروخية، ومنظومات ألغام، ومنظومة صواريخ مضادة للسفن والمسيرات البحرية والجوية. غير أن افتراض أن الانتقال من حالة التوظيف التكتيكي للإغلاق أو الإغلاق الكلي وتحويله إلى ورقة ضغط استراتيجية يصطدم بمعضلة الانتحار الاقتصادي الذاتي. إذ تُصدر إيران غالبية خامها المُصرح به والمُهرب عبر ذات الممر. وتُركز القراءة العسكرية الغربية على أن تجفيف شريان هرمز سيعزل طهران عن أسواق الطاقة تماماً قبل أن ينعكس أثره على الأسواق العالمية، ناهيك عن كونه يستوجب تلقائياً تفعيل مبدأ حرية الملاحة الذي يمنح غطاءً قانونياً للولايات المتحدة وحلفائها اللجوء لآليات ضامنة لحرية الملاحة في المضيق.

وعلى صعيد الهندسة الأمنية للإقليم، نجحت دول الخليج العربي في الالتفاف على الجغرافيا السياسية الإيرانية عبر شبكات أنابيب، كأنبوب شرق-غرب السعودي المتجه لنقاط التصدير على البحر الأحمر، وخط حبشان الإماراتي على خليج عُمان. ولعل الملمح الأكثر دلالة على تراجع الفاعلية الاستراتيجية للمضيق هو إقدام طهران نفسها على تدشين مشروع أنبوب «غوره-جاسك» لنقل النفط إلى ما بعد المضيق؛ وهو سلوك يعكس اعترافاً ضمنياً من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بهشاشة الاعتماد المطلق على هرمز.

تُشكل الشراكة مع الشرق المعيار الأكثر حرجاً في الحسابات الإيرانية، إذ تُعد الصين المستورد الأول للنفط الإيراني والداعم الرئيسي لآليات تفادي العقوبات. وأي تعطيل لحركة الملاحة سيلحق ضرراً مباشراً بأمن الطاقة الصيني، ما يضع طهران في مواجهة استراتيجية مع بكين (خصوصا مع وجود عقوبات على النفط الروسي، وبديله الأوحد هو النفط الأمريكي)، مما يجعل الفيصل الصيني مانعاً سياسياً رادعاً أمام أي قرار بالتعطيل الشامل أو الدائم للمضيق.

وتتجسد الإشكالية الحالية لطهران في فخ الردع المجمد؛ حيث تتلاشى القيمة الاستراتيجية للمضيق بمجرد الانتقال من التهديد الشفاهي إلى التنفيذ الفعلي. فالتهديد يمنح مكاسب في المدارات الدبلوماسية، بينما التنفيذ يترتب عليه تفكيك ما تبقى من مرونة جيوسياسية للداخل الإيراني.

ربما لم تُفرغ أدوات طهران الإقليمية من مضمونها (استهداف الحوثي لميناء ينبع)، لكن مضيق هرمز تراجع من حيث مكانة الردع الاستراتيجي، وليصبح غُصة في حلق طهران بعدما أصبحت محاصرة بين حاجة اقتصادية ملحة لاستخدامه، ومحددات دولية وإقليمية تحظر تعطيله الدائم. ولتنحصر ميزته اليوم في كونه أداة للمناورة تكتيكيا لا جزء من خطة حسم سياسي. وما لم تفطن له طهران في معادلة التفاوض على الملاحة في المضيق، هو أن وجود عُمان في كافة حالات التفاوض يبطل أي مسوغ قانوني أو سياسي بسيادتها المُطلقة في المضيق.