من المبكر إصدار أحكام نهائية على أي تجربة سياسية في بداياتها، لكن من حق المراقبين قراءة المؤشرات الأولى التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة لهذه التجربة. هنا نتحدث عن العراق الشقيق، حيث برز رئيس الوزراء علي الزيدي بخطاب مباشر وإجراءات حازمة تستحق المتابعة، وهي مؤشرات أولوية تشير لرغبة حكومته في النجاح رغم كثرة التحديات.
ما تابعناه أن الزيدي منذ توليه رئاسة الحكومة العراقية، ركز على قضيتين تمثلان جوهر بناء الدولة. الأولى، حصر السلاح بيد الدولة، وإعلانه بوضوح أن القرار الأمني والعسكري يجب أن يكون حكراً على المؤسسات العراقية الرسمية، مع دعوته الفصائل المسلحة إلى الالتزام بهذا المسار. والقضية الثانية، ما قام به من فتح لملفات الفساد الإداري والمالي، ومحاسبة المتورطين على الملأ، وتأكيده أن هذا الفساد كان أهم أسباب إضعاف الدولة العراقية واستنزاف مواردها.
هذه الخطوات تمثل اختباراً لقدرة الدولة العراقية على استعادة سلطتها وهيبتها. فالعراق لا يمكن أن يستعيد عافيته ما لم يكن السلاح تحت سلطة الدولة، وما لم تُدار مؤسساته وفق القانون، بعيداً عن النفوذ السياسي أو المالي أو النفوذ المسلح.
في الوقت نفسه، يبقى التحدي الأكبر أمام حكومة الزيدي هو ترجمة هذه التوجهات إلى واقع دائم، خصوصاً في ظل الإرث المعقد الذي خلفته سنوات من التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني الذي تمدد عبر أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية داخل العراق. لذلك، فإن الحديث اليوم عن بداية استعادة القرار العراقي، وهي مهمة لن تكون سهلة، وستُقاس بما يتحقق على الأرض.
من منظور بحريني وخليجي، فإن التطلع إلى عراق قوي ومستقر ينطلق من روابط الأخوة والمصير المشترك، لا من أي رغبة في التدخل في شؤونه الداخلية. فالعراق كان وسيظل ركيزة أساسية في المنظومة العربية، واستقراره ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة بأسرها.
منذ سنوات طويلة، كنا نتطلع لأن تعود للعراق سيادته الكاملة المطلقة. دولة تحكم وتمتلك قرارها الوطني، وتفرض سلطتها على كامل أراضيها. فكلما كانت الدولة العراقية قوية، تراجعت فرص استخدام أراضيها منصة لصراعات إقليمية أو مصدراً لتهديد أمن الجوار.
وهنا لا ننسى بأننا في الأسابيع الماضية من هذه الاعتداءات الإيرانية الآثمة على دولنا، شهدنا حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. شهدنا استهدافات بطائرات مسيّرة وصواريخ انطلقت من الأراضي العراقية من قِبل الفصائل التي تنشط داخلها، استهدافات طالت الكويت والسعودية والأشقاء الأردن وسوريا. بالتالي هذه الشواهد تجعل استقرار العراق وسيادته مصلحة عربية وخليجية مباشرة، بقدر ما هو في الأساس طبعاً شأن داخلي.
وعليه فإن نجاح الحكومة العراقية في احتكار استخدام القوة، ومنع استغلال الأراضي العراقية للإضرار بجيرانها، سيُعد مكسباً للعراق أولاً، وللمنطقة بأسرها ثانياً. وسيعزز الثقة، ويفتح صفحات جديدة أوسع للتعاون مع محيطه العربي والخليجي.
الحكم النهائي على تجربة علي الزيدي سيكون مرهوناً بالنتائج. وهو إن تمكن من مساعيه بشأن سيادة الدولة، وحصر السلاح، ومحاربة الفساد إلى سياسات راسخة ومؤسسات قوية، فإن العراق وشعبه الشقيق سيكون المستفيد الأول، وسيستعيد تدريجياً مكانته الطبيعية كدولة عربية مستقلة القرار، ترتبط بعلاقات متوازنة مع أشقائها، وتسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها.
نكتب هذه السطور بكل أمل في بلوغ العراق وشعبه لما يرنو إليه، لأننا منذ زمن طويل جداً لم نرَ مثل هذه الخطوات الجادة، ومثل هذه الخطابات القوية التي تتحدث عن الاستقلالية والسيادة ومنع التدخلات الخارجية ووقف التشرذم الداخلي والتغلغل، ووجوب تعزيز التعاون مع محيطه الخليجي والعربي.