مثلت الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على مملكة البحرين، فجر يوم الأحد الماضي، فصلاً جديداً من فصول العدوان، وكسراً للأعراف والتقاليد الدولية، وتنصلاً من الاتفاقيات والتفاهمات، وهو ما يعكس طبيعة النظام الإيراني، والذي لا يرى حياة واستمراراً له إلا في بيئات مضطربة ومتناحرة.
في المقابل؛ فقد أثبتت مملكة البحرين قدرتها على التمسك بالمبادئ والقيم والأعراف الدبلوماسية، حين اختارت أن يكون ردها سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، حيث اتجهت إلى المجتمع الدولي، مطالبةً مجلس الأمن بتحمل مسؤولياته، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ووضع حد لاعتداءات باتت تتكرر بصورة تهدد الأمن الإقليمي وتتحدى النظام الدولي بأكمله.
ولا شك أن الدعوة البحرينية لعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن تجسد رسالة سياسية عميقة، عنوانها الرئيسي أن احترام القانون الدولي لا يكون انتقائياً، وأن سيادة الدول ليست مبدأ يطبق على بعض الدول ويغض الطرف عنه في دول أخرى.
فالاعتداء على أي دولة ذات سيادة يعكس في جوهره اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة الدولية على حماية المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة، أما إذا تحول موضوع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على دول آمنة ومستقرة أمراً يمكن تجاوزه بالبيانات العابرة، فإن ذلك يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة تهدد القانون والمنظومة الدولية جميعاً.
التوجه البحريني نحو مجلس الأمن لا ينبع من ضعف أو عدم القدرة على المواجهة، بل قناعة راسخة بأن الأمن المستدام تصنعه العدالة الدولية، واحترام الالتزامات، ومحاسبة من ينتهكها.
هذه ليست المرة الأولى التي تؤكد فيها البحرين أن السلام هو نهج دولة، فعلى مدى سنوات طويلة تبنت سياسة تقوم على الحوار، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والانفتاح على مختلف المبادرات التي تخفف التوتر وتدعم التنمية، انطلاقاً من إدراكها أن شعوب المنطقة والأجيال القادمة تستحق مستقبلاً أفضل.
لكن السلام لا يعني القبول بالاعتداء، كما أن الدعوة إلى الحوار لا تعني التنازل عن الحقوق، ولهذا جاء التحرك البحريني متوازناً عبر التمسك بحق الدفاع المشروع عن السيادة والأمن، والمطالبة بأن تكون المرجعية النهائية هي الشرعية الدولية، لا منطق فرض الأمر الواقع.المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن يترجم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة إلى إجراءات عملية تحفظ سيادة الدول وتردع المعتدين، وإما أن تتحول تلك المبادئ إلى نصوص لا تجد طريقها إلى التنفيذ عند الأزمات.
إن اللجوء إلى مجلس الأمن مواجهة تستند إلى القانون بدل الفوضى، وإلى الشرعية الدولية بدل منطق القوة، وبينما اختارت إيران الصواريخ، اختارت البحرين الدبلوماسية. ففي السياسة تستطيع دولة أن تنتصر عسكرياً، لكنها تخسر أخلاقياً إذا تخلت عن القانون، والبحرين اختارت أن تجعل القانون أول خطوط دفاعها.