يمثل تنظيم النيابة العامة للطاولة المستديرة بشأن «تحديات تنفيذ أحكام الزيارة والحضانة - بين الواقع والقانون» خطوة مهمة ومؤشراً صريحاً على وجود إشكالات حقيقية ومتراكمة في ملف تنفيذ أحكام الرؤية والحضانة، وهي إشكالات ظلت لسنوات محل شكاوى متكررة من الأسر، وبالأخص من الآباء الذين يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام أحكام قضائية قائمة، لكنها متعثرة التنفيذ على أرض الواقع.
فالحملة الإعلامية الأخيرة التي شملت مقالات ومقابلات صحفية مع محامين ومختصين، وزيارات وفد نيابة الأسرة والطفل إلى المراكز الاجتماعية، ثم الدعوة إلى هذه الطاولة المستديرة، كلها تعكس بوضوح أن هناك إدراكاً رسمياً لحجم التحديات القائمة، وفي الوقت ذاته تعكس وجود نية جادة لدى النيابة العامة والجهات المعنية للبحث عن حلول عملية لهذه المعوقات. وهذا بحد ذاته تطور مهم طال انتظاره.
الواقع يكشف أن المشكلة لا تكمن دائماً في صدور الحكم، بل في تنفيذه. فهناك حالات كثيرة تعاني من مماطلة الحاضن، أو التوسع في استخدام مبررات تؤدي إلى تعطيل الرؤية، وأحياناً — وهي الأخطر — حالات تحريض نفسي للأطفال ضد أحد الوالدين، بما يحوّل الطفل إلى طرف في نزاع لا ذنب له فيه. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الخسارة قانونية فقط، بل إنسانية ونفسية أيضاً.
المؤلم أن كثيراً من الرجال، ومنذ صدور قانون الأسرة الجديد، يشعرون بأنهم في موقع أضعف داخل المنظومة، وأن الكفة تميل غالباً نحو الطرف الحاضن، ليس فقط في النصوص أحياناً، بل في التطبيق والإجراءات وآليات التنفيذ. هذا الشعور، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، لا يمكن تجاهله، لأنه يعكس أزمة ثقة حقيقية بين شريحة واسعة من الآباء وبين المنظومة التنفيذية.
الكثير منهم لا يطلبون أكثر من ممارسة دورهم الطبيعي كآباء، والمشاركة في تربية أبنائهم ورعايتهم والوجود في حياتهم، حتى بعد الانفصال. فالأبوة لا تنتهي بالطلاق، كما أن حق الطفل في العلاقة المتوازنة مع والديه يجب أن يبقى فوق كل الاعتبارات.
من هنا، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى مخرجات هذه الطاولة المستديرة، ليس فقط من حيث التوصيات، بل من حيث قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الواقع العملي. والأهم من ذلك، أن يكون صوت الآباء حاضراً في هذه النقاشات، لأنهم طرف أصيل في المعادلة، وهم الفئة الأكثر تضرراً.
وفي سياق البحث عن حلول أعمق وأكثر استدامة، يبرز سؤال مهم وهو لماذا لا نبدأ بشكل جدي في دراسة نموذج الحضانة المشتركة كبديل عملي للوضع التقليدي القائم؟ فبدلاً من أن يستفرد طرف واحد بالطفل وبمعظم القرارات المصيرية المتعلقة بتربيته وتعليمه وصحته ومستقبله، تقوم الحضانة المشتركة على مبدأ تقاسم المسؤوليات والواجبات والحقوق بين الأبوين، بما يحفظ للطفل توازنه العاطفي، ويضمن استمرار حضور الطرفين في حياته، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الاحتكار.
هذا النموذج لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح واقعاً معمولاً به في العديد من الدول، وأثبت في كثير من التجارب نجاحاً أكبر في تقليل النزاعات، وتعزيز استقرار الطفل النفسي، ومنع شعور أحد الطرفين بالتهميش أو فقدان دوره الطبيعي.
وربما حان الوقت لفتح هذا الملف بجدية، ودراسته قانونياً واجتماعياً، بما يتناسب مع خصوصية المجتمع البحريني ومصلحة الطفل الفضلى، لأن مستقبل الأسرة بعد الانفصال قد يتطلب حلولاً أكثر توازناً وعدالة من النماذج التقليدية السائدة.