ماذا لو تغيّرت البوصلة حين وصل الخميني لإيران عام 1979؟! ماذا لو كان شعار التغيير بداية لمشروع دولة حديثة، لا مدخلاً لتطويع ولاية الفقيه، وتحويل المكانة الدينية لتصبح سلطة سياسية فوق الدولة وفوق المؤسسات؟!
ماذا لو ركّز الخميني على بناء إيران من الداخل؟! ماذا لو وُجهت الثروات والطاقات والأموال إلى الشعب الإيراني؟! إلى التعليم، والصحة، والصناعة، والجامعات، والبنية التحتية، والاقتصاد، وكرامة المواطن؟!إيران بلد شاسع المساحة، يملك ثقافة عريقة، وموارد ضخمة، وموقعاً استراتيجياً. كان يمكن لها أن تكون نموذجاً في التنمية، وأن تكون جسراً للتعاون مع جيرانها، لا مصدراً دائماً للقلق والتوتر.
لكن الذي حدث أن البوصلة اتجهت إلى تصدير الثورة. لم تُبنَ إيران الجديدة باعتبارها وطناً يسعى إلى الازدهار، بل مشروعاً عابراً للحدود. ففي العام نفسه، أمر الخميني بتشكيل الحرس الثوري، لتبدأ مرحلة تفعيل المؤسسات العقائدية والأمنية والعسكرية التي تعمل بمنطق الثورة.
ماذا لو لم يُصنع الحرس الثوري والباسيج؟! ماذا لو لم يتحول فيلق القدس إلى ذراع خارجية لصناعة النفوذ والميليشيات؟! ماذا لو لم تُهدر الأموال في دعم الأذرع والعملاء، وفي بناء شبكات ولاء خارج الحدود، وفي إشعال الملفات الإقليمية بدل إطفائها؟! للأسف وُجه الدعم الإيراني لحزب الله، عسكرياً ومالياً، بينما ارتبط الحرس الثوري وفيلق القدس بتمويل ودعم جماعات وكيانات مسلحة في المنطقة.
ماذا لو اختارت إيران أن تكون دولة جارة؟! ماذا لو بنت علاقاتها مع دول مجلس التعاون على الاحترام، والثقة، والمصالح المشتركة؟! ماذا لو جلست معهم لتنسيق المواقف تجاه الملفات الإقليمية الحاسمة بشفافية ومصداقية؟! أما كان ذلك سيجعل المنطقة أقوى؟ أما كان سيمنح إيران وشعبها مكاسب أكبر بكثير من مكاسب الوهم الثوري؟! أما كان سيجعل الخليج وإيران معاً في موقع أكثر صلابة أمام التحديات الدولية والإقليمية؟!
المأساة أن دولة مسلمة، كان يفترض تلاقيها مع جيرانها في الدين والجغرافيا والمصالح، اختارت أن تجعل التدخل في شؤوننا سياسة، ومن صناعة الأذرع وسيلة نفوذ. وبدل أن تكون الجيرة مصدر أمان، أصبحت مصدر قلق. وحولت المنطقة إلى ساحة توتر، دفعت ثمنه الشعوب، واستنزفت الدول، وتغذت عليه مشاريع الفوضى والإرهاب.
حين نسأل اليوم «ماذا لو؟!» فإننا نتحدث عن عقود ضاعت في إشعال الفتن، وزراعة الخلايا، واستهداف دولنا. عقود كان يمكن أن تكون زمن نهضة لإيران، وزمن استقرار للمنطقة، وزمن تعاون حقيقي بين شعوب تتشارك الدين والجوار والمصير.
ماذا لو كانت نية النظام منذ البداية بناء دولة إيرانية قوية تنمي شعبها وتخدمه؟! ماذا لو كانت القوة الإيرانية قوة اقتصاد وعلم وتنمية، لا قوة تهديد وتخريب وتدخل وإرهاب؟! ماذا لو كانت طهران عاصمة تعاون إقليمي، لا مركزاً لتصدير الأزمات؟! ماذا لو استُبدلت لغة الميليشيات بلغة الدبلوماسية، ولغة التحريض بلغة المصالح، ولغة الإرهاب بلغة الدولة؟!
كنا سنكون في حال أفضل. إيران كانت ستكون أفضل. شعبها بأفضل حال. والمنطقة بأسرها كانت ستكون أكثر أمناً واستقراراً وقوة. لكن التاريخ لا يعود إلى الخلف. المشكلة لم تكن في الشعب الإيراني، ولا في مكانة إيران الحضارية، بل في بوصلة سياسية اختارت منذ البداية أن تجعل الثورة فوق الدولة، والأذرع تخلق لتستهدف الجيرة، والصراع في الخارج فوق التنمية الداخلية.
هذه التساؤلات أعتبرها تذكيراً بأن منطقتنا تستحق أن تعيش بلا تهديد، بلا خلايا، بلا أذرع، بلا تدخلات، وبلا مشاريع تستنزف الحاضر وتصادر المستقبل. فنحن دول وشعوب نريد منطقة آمنة ومستقرة.
نريد أعمالاً تبني ولا تهدم. نريد علاقات تقوم على الاحترام لا الاختراق. ونريد أن تفهم إيران، يوماً ما، أن أعظم قوة يمكن أن تملكها ليست في ميليشيا خارج حدودها، بل في شعب يعيش بكرامة وبلا ترويع أو خوف داخل حدوده.